الجمعة , 24 سبتمبر, 2021
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » السحر في التدين المغربي

السحر في التدين المغربي

– محمد العيادي وحسن رشيق ومحمد الطوزي، الإسلام في الحياة اليومية: بحث حول القيم والممارسات الدينية بالمغرب، منشورات مقدمات، 2013.

تقديم: يمثل كتاب الإسلام في الحياة اليومية الصادر بالفرنسية سنة2007 ، والمترجم إلى العربية سنة 2013، توجها جديداً في العلوم الاجتماعية بالمغرب، سواء من حيث المقاربة المعتمدة، أو من حيث طبيعة الموضوع المتناول. ويعود الفضل في ذلك إلى أن مؤلفي الكتاب من الباحثين الذين احتكوا بالمناهج والتوجهات البحثية في الجامعات الغربية، وحاوروا الآخر بنوع من الوضوح والاعتراف بالسبق. ومن ثمة تأتي محاولة أصحاب الكتاب لاستثمار زادهم المعرفي هذا في دراسة القضايا المرتبطة ببنية المقدس، باعتبارها القضية الملغزة في تاريخ المغرب وحاضره، وذلك بطرح إشكالات تستحضر مجموعة من الفرضيات حول الدين والتدين عند المغاربة في الزمن الراهن، وتتجاوز بذلك أحكام الإرث الكولونيالي والمقولات المستهلكة حول التدين المغربي.

تقاسم تأُليف الكتاب ثلاثة باحثين حققوا تراكمات مهمة في مجالاتهم البحثية؛ فبالنسبة لمحمد العيادي الجامع بين التاريخ والسوسيولوجيا، صاغ مجموعة من الفرضيات حول التاريخ الفكري والاجتماعي والديني للمغرب[1]، كما شارك في تأليف كتاب الشباب والقيم الدينية سنة 2008[2]. أما حسن رشيق فهو باحث أنثروبولوجي له مجموعة من الأبحاث تبدأ من مساهماته في دراسة البنيات الاجتماعية والثقافية[3]، والهويات الجماعية بالمغرب[4]، ثم انكبابه الأخير على محاورة الأنثروبولوجيا الكولونيالية، وما بعد الكولونيالية المطبقة على المغرب[5]. في حين يجمع محمد الطوزي بين العلوم السياسية والأنثروبولوجيا، كما تبرز دراسته المتمحورة حول الملكية والإسلام السياسي بالمغرب سنة 1999[6]، ومختلف مشاركاته في أبحاث جماعية تقارب موضوع التدين بالمغرب[7].

يندرج الكتاب ضمن أبحاث العلوم الاجتماعية حول الدين كما يعكس ذلك عنوانه الفرعي: “بحث حول القيم والممارسات الدينية بالمغرب”. وينطلق هذا البحث من مناقشة أطروحتين مركزيتين؛ ترتبط الأولى بصحوة الديني، وتفترض الثانية تراجع مؤشرات تدين المغاربة بعد انخراط البلد في مسلسل العلمنة.

يشمل الكتاب معطيات إحصائية، تم تفريغها عبر المقابلات والاستمارات التي جرى ملؤها سنة 2006، بالاعتماد على أجوبة مغلقة مرتبطة بالمعتقدات والممارسات التعبدية بالمغرب، وتم توجيهها إلى عينة تتكون من 1156 شخصاً، تم فيها مراعاة الجنس والسن ومحل الإقامة؛ إذ شكل الذكور من هذه العينة نسبة (%47.5)، أما الإناث فبلغت نسبتهن (%52.7)، في حين مثل الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة ما مجموعه (%28.3)، وشكل الذين تفوق أعمارهم عن 56 سنة نسبة (%16). أما سكان القرى فشغلوا نسبة (%41.8)، مقابل سكان الحواضر بنسبة (%58.2). ويتكون متن الكتاب من مدخل تمهيدي، دبج فيه الباحثون خلاصات تركيبية لأهم الدراسات التي تمحورت حول المعتقدات والطقوس الدينية بالمغرب، إلى جانب تقديم فرش نظري لأهم المفاهيم الموظفة في منهجية قياس نسبة التدين، من قبيل: المعتقدات، والطقوس، والمعارف…إلخ. ونبه المؤلفون في نهاية هذا المدخل إلى الصعوبات التي تعترض سير الدراسات الكمية في شقها الميداني (ص. 45).

تطرق حسن رشيق في الفصل الأول إلى خصائص الممارسات والمعتقدات الدينية بالمغرب، في حين رصد محمد العيادي في الفصل الثاني تغيرات بعض المعتقدات والممارسات حسب السن، وتحديداً عند فئة الشباب. أما الفصل الثالث والأخير فقد تناول فيه محمد الطوزي إشكالية التدين عند النساء كما يوضح عنوان الفصل: “التدين بصيغة المؤنث”. في الأخير، تم إلحاق الدراسة بخلاصة عامة استهل من خلالها مؤلفو الكتاب بعض المؤاخذات التي يمكن أن يتلقوها من قراء الكتاب ومن موظفيه الإيديولوجيين، وقدموا عبرها أهم الخلاصات والاستنتاجات المتوصل إليها. أما الخاتمة في الطبعة العربية للكتاب، فتم تخصيصها للأثر الذي خلفته قراءة الكتاب بعد صدوره بالفرنسية سنة 2007 عند العديد من المتلقين، منهم أجانب مهتمون بالشأن الديني بالمغرب، ومغاربة صحفيون وفاعلون سياسيون ودينيون.

تأتي قراءتنا للكتاب بعيداً عن الرهانات الإيديولوجية التي عقدت عليه بعيد صدوره، ونابعة في ذات الآن من صميم انشغالنا بموضوع المعتقدات والطقوس السحرية في تاريخ المغرب وعلاقتها بالدين الإسلامي وبـ«التقاليد المحلية»، خصوصاً وأن هذه الدراسة المؤسسة على معطيات كمية تعود إلى سنة 2006، بإمكانها أن تجعلنا نراجع مجموعة من الفرضيات المرتبطة بالمعتقدات والطقوس السحرية في علاقتها على الأقل بالتدين القروي والتدين النسائي، وذلك وفق مقاربة استرجاعية (Rétrospective)، تأخذ بعين الاعتبار التحولات الاقتصادية والاجتماعية والقيمية التي حدثت خلال القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة. ورنكز في قراءتنا لهذا الكتاب على ثلاثة محاور أساسية: أولها دور الإرث الكولونيالي في صياغة مجموعة من النظريات حول طبيعة المعتقدات السحرية والدينية، أما المحور الثاني فنرصد فيه، اعتماداً على معطيات الكتاب، مدى استمرار أو تراجع المعتقدات السحرية والتدين في الزمن الراهن. وفي المحور الأخير بعنوان: المرأة الساحرة والمرأة المتدينة، نتبين مع محمد الطوزي مدى حدوث تغيرات على مستوى التدين النسائي المنظور إليه من طرف المجتمع على أنه الأكثر اعتقاداً في السحر.

أولا: المعتقدات السحرية والدينية في الإرث الكولونيالي وما بعد الكولونيالي:

كان توظيف تقنية قياس التدين في نظر أصحاب الكتاب خطوة أساسية لتجاوز أعطاب الدراسات السابقة، خاصة تلك التي أهملت الإسلام اليومي والعادي في صيغته الهادئة، مقابل انكبابها على إنتاجات الفقهاء ورجال الدين، أو الانغماس في دراسة التدين القروي، الأمر الذي قادها لتقدم عدة تصنيفات، من أشهرها التمييز بين «إسلام أرثودوكسي فقهي حضري، وإسلام انتشائي شعبي قروي» (ص. 22).

واعتباراً للسبق الذي حققته الدراسات الكولونيالية في هذا المجال البحثي، انطلق مؤلفو الكتاب من عرض نقدي لمختلف الدراسات السابقة التي عالجت مسألة الدين بالمغرب خلال فترة الاستعمار، وكذا التراكمات التي حققتها الدراسات الأنثروبولوجية ما بعد الكولونيالية سواء الأجنبية أو المحلية. ومن أهم الأطروحات الكولونيالية التي صيغت حول الدين والتدين بالمغرب[8]، نجد ثلاث أطروحات أساسية:

  • أولا، أطروحة تتعلق بالتعارض بين الإسلام الفقهي والإسلام الصوفي، وتوجد خلف هذا التعارض ثلاثة تعارضات أخرى، أحدها ذو طبيعة سوسيومجالية بين المدينة والبادية، والثاني تعارض سوسيولوجي بين النخبة والشعب، أما الثالث فهو من صنف إثني يميز بين البربر والعرب.
  • ثانيا، أطروحة تقول إن الأولياء في الإسلام المغربي المتعلق بالأضرحة، بمثابة صورة لآلهة بربرية وثنية قديمة على الأسلمة، تختفي وراء التصوف الإسلامي ذي الأصل المشرقي.
  • ثالثا، أطروحة تدعي أن التصوف المغربي هو أحد تجليات الروح الاستقلالية للبربر.

لقد شكلت هذه الأطروحات المتصلة بتوجهات البحث في الفترة الاستعمارية، تحدياً أمام الدراسات ما بعد الكولونيالية، ومجالاً خصباً لاستنبات أبحاث رائدة في حقل الأنثروبولوجيا، بدأت مع إنتاجات إرنست غيلنر Ernest Gellner، ورايمون جاموسRaymond Jamous ، وفينيست كرابانزانوVincent Crapanzano   في المجالات القبلية، ثم انتقلت إلى المجال الحضري مع أبحاث كليفورد غيرتزClifford Geertz ، وديل إكلمانDale Eickelman ، وجان نويل فيرييJean-Noël Ferrié  حول مدن صفرو وأبي الجعد والدار البيضاء، في حين كان للمنجز السوسيولوجي إضافات نوعية من خلال أبحاث أندري آدام André Adam، وبرونو إتيان Bruno Etienne حول التدين المغربي، والتي خلفت تأويلات جديدة، وطرحت المسألة الدينية بالمغرب، بالتركيز على فكرتين أساسيتين، هما: نقد أطروحة عودة الديني بالمغرب، وفكرة انخراط المغرب في مسلسل العلمنة.

ثانيا، شعائر دينية ومعتقدات سحرية:

انطلق الباحث حسن رشيق في الفصل الأول من الكتاب، من ملاحظة أساسية مفادها إهمال الدراسات السابقة للممارسات الدينية الشرعية، مقابل احتفائها الكبير بالمعتقدات والطقوس الشعبية التي يشكل السحر أحد أوراشها المفضلة، كما هو الحال مع  إدموند دوتي Edmond Doutté، وإدوارد ويسترمارك Edward Westermarck، ليتساءل الباحث بعد ذلك كيف تم إهمال شعيرة الصلاة؟ على الرغم من كونها مؤشراً ذا مدلول في تقويم النهج الديني لساكنة ما ولأخلاقها، باعتبارها ممارسة فردية ويومية (ص. 52). ثم انتقل بعد ذلك لرصد أشكال أخرى من الممارسات الدينية، كانت محط استنكار الشباب الوطني خلال عشرينيات القرن الماضي، إما باسم توجه سلفي، أو كتعبير عن توجه حداثي-تقدمي، مقابل إنكار المتهمين بهذه الممارسات «البدعية» التهم الموجهة إليهم، على اعتبار ما يقومون به لا ينافي الإسلام[9].

ويتضح من خلال المعطيات الكمية التي انكب الباحث حسن رشيق على تحليلها، أن أكثر من نصف الأجوبة تستهجن زيارة الأضرحة (%56)، مقابل (%32,5) ممن يثمنونها. وتتأسس الإجابة الأولى إما على مفهوم الحرام ذي المرجعية الدينية، أو على مفهوم الشعوذة على اعتبارها ضرباً من التخلف الفكري؛ إذ بلغت النسبة المستجوبة التي تستند على مفهوم الحرام حوالي (%37,2) مقابل (%21,9) التي تبرر ذلك بالتخلف والشعوذة. وتعتبر ملاحظة ارتباط تراجع تلك الممارسة بأسباب دينية، من أهم المتلازمات التي طبعت تاريخ السحر عند المجتمعات التي يسيطر فيها الدين. إلا أن هذه المتلازمة في صيغتها المغربية تحتفظ بنوع من الخصوصية تبرزها الملاحظة الثانية المرتبطة بالجن، والسحر، والعين الشريرة، و«الثقاف»، أي الربط، والعرافة. فعلى سبيل المثال، تعتبر التمثلات المرتبطة بالجن متنوعة بحيث لا يمكن إرجاعها إلى نسق منسجم، والدليل على ذلك العلاقة التي تربطها بالمقدس، فهي متصلة به ومنفصلة عنه في نفس الوقت، غير أن خاصيتها البارزة تتمثل في وظيفتها على إرجاع مصادر أسى الفرد والمجتمع إلى قوة خارجة عنه، على عكس السحر والعين الشريرة التي يكون فيها «الجناة» أشخاصاً تربطهم بالضحايا علاقات اجتماعية، غالباً ما تكون مرتبطة بمنازعات، أو لهم عين شريرة قادرة على الأذية.

لقد تجاوزت نسبة المعتقدين بوجود الجن والسحر (%85)، ونفس الأمر عند المعتقدين بالعين الشريرة (%90,9)، في حين بلغت نسبة الاعتقاد في «الثقاف» (%70,7)، والمؤمنين بالعرافة (%37,6). كما أن إجابات الذين يتوفرون على مستوى الدراسات العليا لا تختلف عن التوجه العام للمستجوبين ولا تشكل حالة شاذة عن التوجه العام لباقي فئات المجتمع، فأكثر من (%77) منهم يؤمنون بالجن والعين الشريرة والسحر، و(%43,9) منهم يؤمنون بتأثير «الثقاف»، في حين تنخفض معتقداتهم إلى (%18,9) فيما يخص الإيمان بالعرافة، و تأييد زيارة الأضرحة بنسبة (%5,3) (ص. 80).

تأسيساً على ما سبق ذكره، نستنتج مع الباحث حسن رشيق ومن خلال تأويله للمعطيات المجمعة، مدى ارتباط تكريس المعتقدات الأرثدوكسية والتقاليد المحلية للاعتقاد في وجود الجن وفاعلية السحر والعين الشريرة، في حين يخضع الاعتقاد في «الثقاف» والعرافة إلى تأثير التقاليد المحلية لوحدها. وفي الوقت نفسه يخلص حسن رشيق إلى عدم تطابق الممارسات الشعائرية مع المعتقدات المرتبطة بالجن والسحر والعرافة، حيث لا تختلف نسبة المستجوبين الذين يؤدون الصلاة، عن غير الممارسين لها، نظراً لكون المعتقدات الدينية هي القاسم المشترك بين الممارسين وغير الممارسين للشعائر الدينية، وهو ما يتبين من خلال النسب المحصل عليها؛ فحوالي (%91) من المصلين يؤمنون بوجود الجن، وعند غير المصلين تبلغ هذه النسبة (%81,7)، مما يعني أن رصد ممارسة الصلاة ليست معياراً كافياً لتفسير ارتفاع نسب الاعتقاد في الجن، وبالتالي فالممارسات غير كافية لقياس التدين، إذا ما قورنت بفاعلية رصد المعتقدات.

خصص حسن رشيق حيزاً مهماً للتدين القروي، توصل من خلاله إلى عدة ملاحظات، يهمنا منها ارتباط طبيعة النزعة الدينية عند القرويين بزيارة الأضرحة والمواسم والاحتفالات الزراعية. أما الملاحظة الثانية فنستخلص منها ارتفاع نسبة المؤمنين بالمعتقدات ذات الطبيعة المحلية عند القرويين إذا ما قورنوا بسكان الحواضر، والدليل على ذلك ارتفاع نسبة الاعتقاد في «الثقاف» بـ (%80,4)، والعرافة بـ (%85).

ثالثا، المرأة والمعتقدات السحرية:

عالج الباحث محمد الطوزي في الفصل الأخير من الكتاب إشكالية التدين عند النساء، وقد اختار للمحور الأخير منه عنوان «المرأة تلك الساحرة»، استهله بالحديث عن ضرورة تجاوز المنزلقات والتعميمات التي شابت الدراسات المتمحورة حول التدين النسائي، من قبيل اعتباره ديناً شاذاً، أو ديناً شعبياً، أو استراتيجية للمقاومة ضد النظام الذكوري الأبوي، أو كتعبير عن حساسية خاصة تعد بمثابة «نوع من الذاكرة الجهنمية التي لا تدخر جهداً لتكسير مبدأ صلابة التجريد للديانات السماوية» (ص. 237). وفي نظر أصحاب هذه الدراسات، تمتلك المرأة المولودة في العالم الإسلامي، مجموعة من القيم الإسلامية، تنتقل إليها على شكل دين صوري يلقن لها في إطار احترام القيم العائلية، تبدو فيه المرأة مهمشة نظراً لدنس جسدها، الأمر الذي يجعلها تميل إلى التضرع لله، عبر وساطة الأضرحة والصلحاء ليسمع الله دعواتها، وتعوض بذلك السلبية التي تفرضها الممارسة الدينية بأخرى سرية (ص. 238). ومن نقائص هذا التصور بالنسبة لمحمد الطوزي، أنه لا يأخذ بعين الاعتبار التدين النسائي من منظور دينامي مرتبط بالتمدرس والخطاب العقلاني حول الدين الذي تنتجه المدرسة في إطار تمديد للسلفية الوطنية. في مقابل ذلك، يعتبر محمد الطوزي أن الحديث عن تراجع أو أفول تمظهرات الإسلام الشعبي هو الآخر من الثغرات التي اعترت السوسيولوجيا الحديثة، التي كانت تدين تلك الممارسات باسم تخليص العلم من الأوهام، أو كشكل من الحداثة النخبوية، الأمر الذي فندته النتائج المتوصل إليها في هذا الكتاب، نظراً لرصد استمرار اعتقاد المرأة في بعض أصناف العرافة (%41,9) وزيارة الأضرحة (%40,1)، إذا ما قورنت بمعتقدات الرجال (العرافة (%32,9)/ زيارة الأضرحة (%24,1)). كما يتبين من النسب المضمنة في الجدول الآتي:

الجن الثقاف عين الحسود السحر العرافة الأضرحة
النساء 86.5 % 72,9 % 93,1 % 87,7 % 41,9 % 40,1 %
الرجال 85 % 68,2 % 88,5 % 83,9 % 32,9 % 24,1 %
المتوسط 85.08 % 70,7 % 90,9 % 85,9 % 37,6 % 32,5 %

تعكس النسب المرتبطة بالإيمان بالجن والثقاف والعين والسحر فرقاً طفيفاص ما بين النساء والرجال، تقريبا ًمن نقطة حتى خمس نقط لفائدة النساء المتمسكات بهذه الممارسات، وهو ما يناقض بعض الافتراضات المسبقة، التي تربط بين أفول مسألة الأضرحة والعرافة، وتقدم محتمل للخطاب السلفي، لذلك يضفي تمسك المستجوبين بالمعتقدات الأخرى مثل العين والسحر والثقاف «طابعاً نسبياً على وجود عامل حاسم وحيد» (ص. 241)، خصوصاً وأن هذه المعتقدات الأخيرة، علاوة على زيارة الأضرحة، لا تتطابق والأرثدوكسية الدينية. وتبرز هذه الملاحظة فيما يخص مثلاً زيارة الأضرحة، من خلال تقديم صنفين من الإجابات، تتصل الأولى برؤية خاصة للدين حيث يربط )%37,2( من المستجوبين زيارة الأضرحة بالتحريم الديني، خصوصاً النساء بنسبة )%42,2(، ثم الرجال بنسبة )%33(، أما الإجابات الثانية فتنم عن نظرة ارتياب تجاه زيارة الأضرحة بعيداً عن الاعتبارات الدينية، من قبيل اعتبارها من ضروب الشعوذة والتخلف، وتمثل هذه النسبة )%55( من مجموع الاجابات.

خلاصة وامتدادات:

استطاع كتاب الإسلام في الحياة اليومية أن يبرهن على نجاح الأبحاث المشتركة، والمؤسسة على المعطيات الكمية. وقد خلصنا في هذه القراءة إلى أن المعتقدات السحرية تعتبر مكوناً أساسياً داخل نظيمة التدين المغربي، من خلال تقاسم غالبية المجيبين لنفس المعتقدات ذات الصلة بالعالم اللامرئي، وفاعلية العين الشريرة، والأعمال السحرية؛ لا فرق في ذلك بين الممارسين للصلاة وغير الممارسين لها، مع تسجيل نوع من الخصوصية عند ساكنة المجال القروي بالنسبة للمعتقدات المرتبطة بالثقاف والعرافة، في حين لا يشكل اختلاف الجنس عاملاً في انتعاش المعتقدات السحرية من عدمه، على عكس التمثلات والذهنيات السائدة حول رسوخ العلاقة بين المرأة والسحر.

ويمكن تفسير العلاقة بين المعتقد الديني والمعتقد الماورائي والسحري، باستحضار كوسموغرافيا الإنسان المغربي التي تتداخل فيها بقايا ومؤثرات الأساطير والديانات القديمة، ومختلف القراءات والتأويلات التي خلفتها النصوص والسرديات الدينية، خاصة الإسلامية واليهودية، عن العوالم السفلية والعلوية وكائناتها من العفاريت والمرَدة والجان والملائكة، وعن الموت والحياة والبعث والشيطان، كما يمكن اعتبار التشابك المعقد بين السحر وتطور الدين شبيهاً بعملية تداول ثقافي في سياقات اجتماعية مختلفة؛ فما يبدو من الخارج على أنه سحر، يكون في ثقافة أفراد آخرين بمثابة التوظيف اليومي للدين لأسباب أخرى غير التنوير الروحي أو الخلاص[10]. وبذلك يكون إرجاع تساكن تصورين متناقضين في الإسلام، إلى مساهمة هذا الأخير في احتواء أصناف عديدة من التجارب الاجتماعية[11].

تعد «الرقية الشرعية» في الزمن الراهن إحدى البدائل المفضلة عند النساء[12]، الأمر الذي يؤكد الفرضية التي صاغها محمد الطوزي؛ أي إن المعتقدات المرتبطة بالعرافة والثقاف والزيارة، تهدم من داخل الخطاب الأرثودوكسي، وبالتالي يتم تعويضها بطقوس تتماشى مع قواعد هذا الخطاب، لذلك كان من الممكن أن تقدم استجوابات حول نسبة الاقبال على الرقية الشرعية، والممارسين لصلاة الاستخارة، إضاءات أخرى على التدين المغربي خصوصاً الحضري والنسائي منه.

وعلى سبيل المقارنة، يمكن اعتبار البحث الذي نشره مركز بيو للدراسات Pew Research centre سنة 2012 حول المعتقدات والممارسات الدينية في العالم الإسلامي بعنوان The World’s Muslims: Unity and Diversity، بمثابة مكمل للنتائج التي خلص إليها الكتاب موضوع هذه القراءة، ويسمح في الآن ذاته بالمقارنة مع دول ومجالات إسلامية أخرى. وفي هذا الصدد، نجد المغرب يحتل مراتب متقدمة في العالم الإسلامي من حيث كثافة المعتقدات المتصلة بالسحر والجن والعين الشريرة، حيث تصل فيه نسبة المؤمنين بالجن إلى (%86)، وهي أعلى نسبة مسجلة بعد دولة بانغلادش (%84). أما فيما يخص الاعتقاد بالأعمال السحرية فيسجل المغرب نسبة (%78)، محتلاً بذلك الرتبة الثالثة بعد تنزانيا (%92)، وتونس (%89). ونجد نفس الترتيب مع تغيير طفيف فيما يخص الاعتقاد في فاعلية العين الشريرة، إذ تحتل تونس الرتبة الأولى بنسبة (%90)، تليها تنزانيا بنسبة (%83)، متبوعة بالمغرب (%80)[13]. وفي هذا الصدد، تستوقفنا ملاحظات ختامية، مثل التناقض الحاصل بين نسب الاستجوابات المرتبطة بالمعتقدات، وتلك المرتبطة بالطقوس السحرية، فبالرغم من كون المجتمع المغربي من المجتمعات الأكثر اعتقاداً في فاعلية السحر والعين الشريرة، إلا أنه يبقى أقل إقبالاً من حيث تعليق التمائم والأشياء الواقية من العين الشريرة، مقارنة بمجتمعات تسجل فيها نسب ضعيفة من المعتقدات السحرية، كما هو الحال مع دول جنوب شرق أوربا ووسط وجنوب آسيا. في حين تحتل دول جنوب الصحراء الإفريقية ودول جنوب ووسط آسيا أعلى النسب من حيث توظيف القرآن في العلاج والتجارب المرتبطة بتلبس الأرواح في أجساد الأفراد[14].

ختاماً، يبقى توظيف المعطيات الكمية والمقارنة بينها حافزاً منهجياً من شأنه أن يزود الباحثين عند دراسة الظواهر الدينية والسحرية بمؤشرات تبقى رغم نسبيتها ذات دلالة عندما ترتبط بقياس التدين عند المجتمع في الزمن الراهن، ومن ثمة رصد مدى استمرار مجموعة من المعتقدات، على الرغم من التحولات التي أصبحت تساهم فيها المؤسسات الدينية والتعليمية ومختلف القنوات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي على تنوع توجهاتها الإيديولوجية. ومن الملاحظ في هذا الاتجاه، العودة القوية للمعتقدات السحرية في الفضاءات الاجتماعية من خلال تطبيقات معدة للتنجيم، وصفحات لتعلم السحر، وقنوات لفك السحر، والرقية، وعيادات للعرافة، ومختلف تلوينات الطب النبوي، وكأن السلوك والتفسير السحريين، هما من السمات المعرفية العالمية المستمرة في الزمن رغم الثورات العلمية والتحولات الفكرية[15].

 

الهوامش

[1] – محمد العيادي، دراسات في المجتمع والتاريخ والدين، ترجمة مؤسسة الملك عبد العزيز، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2008.

[2]– Bourqia, R., El Ayadi, M., Les jeunes e t les valeurs religieuses, Casablanca: Eddif, 2000.

[3]– حسن رشيق، سيدي شمهروش الطقوسي والسياسي في الأطلس الكبير، ترجمة عبد المجيد جحفة ومصطفى النحال، الدار البيضاء، أفريقيا الشرق، 2010.

[4]– Rachik, H. Symboliser la nation, Essai sur l’usage des identités collectives au Maroc, Le Fennec, 2003.

[5]– Rachik, H. Le proche et le lointain, Un siècle d’anthropologie au Maroc, 2012.

[6]– TOZY M. Monarchie et islam politique au Maroc, Presses de la Fondation de sciences politiques, Paris, 1998.

[7] -TOZY M. et SOUAÏDI M., Taleb en métropole, in TOZY M. et PERALDI M. (dir.), Casablanca. Figures et scènes métropolitaines, Khartaîa, Paris, 2011.

[8]– تتأسس الأطروحات الكولونيالية التي يقدمها الكتاب حول التدين المغربي، على القراءات التي خلفتها إنتاجات كل من بميشو بلير Édouard Michaux-Bellaire  ، وإيدموند دوتيEdmond Doutté ، وروني باسيه René  Basset، وألفريد بيل Alfred Bel، وصولا إلى إميل ديرمنغهام Émile Dermenghem، وجاك بيرك Jaques Berque. أنظر: الإسلام في الحياة اليومية، مرجع سابق، ص. 17-28.

[9]– Radi, Saadia, “Croyance et référence : l’utilisation de l’islam par le fqih et par la chuwafa a khénifra”, In Ferchiou, sophi (Ed.) : L’islame pluriel au Maghreb, CNRS éditions, Paris, 1996, p.189-199.

[10]– أوين ديفيز، السحر مقدمة قصيرة، ترجمة رحاب صلاح الدين، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، الطبعة الأولى، 2014، ص. 17-18.

[11]–  ديل إيكلمان، لإسلام في المغرب، ترجمة محمد أعفيف، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 1991، ص. 32.

[12]– يونس الوكيلي، ظاهرة العلاج بالرقية الشرعية: دراسة أنثروبولوجية لمراكز العلاج بالدار البيضاء، أطروحة مرقونة لنيل شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكدال، جامعة محمد الخامس، الرباط، 2014-2015، ص. 169.

[13]The world’s Muslims : Unity and Diversity; Pew Research center, August 9, Washington, 2012, pp. 67-74.

[14]Ibide, p. 80.

[15]– Willem de Blécourt, Owen Davies, Witchcraft Continued : Popular Magic in Modern Europe, Manchester University Press, 2004.

- يونس غاب

طالب باحث/ كلية الآداب والعلوم الإنسانية فاس- سايس

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.