الجمعة , 9 ديسمبر, 2022
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الاقتصاد والمجتمع بأوروبا في العصر الوسيط: “زمن الكنيسة وزمن العمل”

الاقتصاد والمجتمع بأوروبا في العصر الوسيط: “زمن الكنيسة وزمن العمل”

Jacques Le Goff, Pour un autre Moyen Âges, Temps, travail et culture en Occident: 18 essais, Gallimard, Paris, 1977, 422 pages.

تقديم
مر البحث في تاريخ الذهنيات في أوربا بتجارب كبيرة، منذ مستهل القرن العشرين وحتى بروز تيار التاريخ الجديد. وتعد تجربة مدرسة الحوليات (les Annales) التي أسسها لوسيان فيفر (Lucien Febvre) ومارك بلوك (Marc Bloch)، أكثر هذه التجارب زخما من حيث الإنتاج والأصداء التي خلفتها، إذ تغيرت معها مناهج البحث التاريخي، واختلفت المقاربات الموظفة والمواضيع المطروقة. كما انتقل البحث التاريخي مع هذه التجربة الرائدة من البحث في الأحداث السياسية والعسكرية إلى مجال تحليل الآليات الذهنية باعتبارها محركا للتاريخ، اعتمادا على منظور جديد للمصادر التاريخية والزمن التاريخي والوظائف النفسية للذاكرة.
توجت هذه التجارب التي عرفها حقل التاريخ ببروز الأنثروبولوجيا التاريخية كتوجه جديد بأوربا خلال سبعينيات القرن العشرين، قاده المؤرخ المتخصص في تاريخ العصور الوسطى جاك لوغوف (Jacques Le Goff). وتتطلب دراسة “العصر الوسيط” حسب هذا المؤرخ الرجوع إلى المنهج الأنثروبولوجي، الذي يمكن من البحث في العادات اليومية والمعتقدات والسلوكيات الذهنية، ومن ثمة رصد وفهم التغيرات والتحولات التي هي جوهر التاريخ باعتباره علما وتجربة معاشة.
على هذا الأساس، أكد جاك لوغوف أهمية دراسة الحلم والفولكلور، إذ يعكس هذا الأخير صورة المجتمع في خصوصياته وفي مشاكله وتعقيداته، وبالتالي فهو يعتبر مصدرا مهما للأنثروبولوجيا التاريخية. كما تعتبر كتب الفن والمآثر فهرسا مهما لتاريخ العقليات، إلى جانب الفن التصويري ودراسة النقوش خاصة تلك المتعلقة بالأثاث الجنائزية. وفي ضوء هذه التجديدات، ألف جاك لوغوف كتابا بعنوان “من أجل عصر وسيط آخر” سنة 1977، يعد بمثابة “كشف” تاريخي وحصيلة تجربة بحثية فريدة من نوعها، استعاد من خلالها هذا المؤرخ الذي دافع عن التاريخ الجديد حتى وفاته سنة 2014، تاريخ أوروبا الوسيط في بعده اليومي والثقافي، الأمر الذي يعكسه العنوان الفرعي للكتاب: “الزمن والعمل والثقافة في الغرب: 18 مقالة”.
جاء الكتاب في أربعة أقسام، يتناول المؤلف في الأول منها الزمن والعمل في العصر الوسيط، أما القسم الثاني، فقد خصصه لموضوع العمل ونظام القيم، في حين يعالج في القسم الثالث العلاقة بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية. وفي القسم الرابع والأخير، ينقلنا المؤلف إلى الحديث عن الأنثروبولوجيا التاريخية وعلاقة المؤرخ بالتاريخ اليومي للفرد، ورمزية طقوس التبعية الفيودالية، وهو القسم الذي يمثل في نظرنا حصيلة أبحاث جاك لوغوف برمتها.
تأتي قراءتنا للكتاب في إطار التعرف على تجارب بحثية همت تاريخ الغرب الاجتماعي والثقافي خلال العصر الوسيط، وهي في ذات الآن نابعة من صميم اشتغالنا على مواضيع في تاريخ المغرب تهتم أكثر بالتاريخ الاجتماعي والثقافي مثل تاريخ الحرف والمعتقدات الدينية والسحرية في علاقتها بالتحولات الاقتصادية والتراتبيات الاجتماعية. ولذلك انصب تركيزنا على إشكالية العلاقة بين المهن والحرف كمعطيات اقتصادية من جهة، والبنية الذهنية الأوربية خلال العصر الوسيط من جهة أخرى، والتي كان للمعتقدات الدينية والسحرية دور في تبلورها. وعلى هذا الأساس، خصصنا المحور الأول للزمن في العصر الوسيط خصوصا ذلك المرتبط بزمن العمل في علاقته بالربح، وموقف الكنيسة من ذلك. أما المحور الثاني فيهتم بفهم العوامل المتحكمة في تحول مواقف المجتمع والكنيسة تجاه العمل وبعض المهن والحرف بأوربا خلال العصر الوسيط، وكيفية إسهام هذا التحول في انتقال بعض الحرف من حرف مستحقرة إلى حرف شريفة. أما المحور الثالث فقد لامسنا من خلاله دور دلائل الاعتراف في كتابة تاريخ يتجاوز المعطيات المادية والاجتماعية، وفي الآن ذاته يرصد تطور المواقف تجاه العمل خاصة تلك التي أحدثت نقلة نوعية في تاريخ المجتمع الأوربي.
أولا: المسيحي والتاجر “زمن الكنيسة وزمن الاقتصاد”:
شهدت أوربا في العصر الوسيط -وتحديدا ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر- انتعاشا وتحولا طارئا على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية لم يسبق أن سجل مثيل له في تاريخ المجتمعات الأوربية، حيث تسارع الرأسمال الاقتصادي، وعرف النشاط التجاري دينامية غير مسبوقة، بفضل تطور ورواج المواد الفلاحية كالحبوب والخمور، وكذا الصناعات التحويلية مثل صناعة النسيج (ص. 51). وقد واكب هذه الدينامية انتشار المدارس والجامعات، كما برزت فئات اجتماعية جديدة، الأمر الذي أدى إلى اهتزاز نوعي في الشكل التقليدي للتفكير، من خلال التراجع عن بعض الشروط الاقتصادية، والمواقف الاجتماعية، وهو ما أدى بالتالي إلى خلق قيم جديدة.
عملت الكنيسة على استبعاد كل مهنة تعارض التوجهات والعقائد الأساسية للمسيحية، حيث اتهمت المحامين والموثقين والقضاة والتجار بالجشع (ص. 95). ويبرز تدخل الكنيسة في عالم العمل والحرف عبر صراعها مع بعض الفئات حول العديد من الممارسات المرتبطة بالعمل والزمن والربح، مثل الصراع بين المنظور الزمني للتجار والزمن المسيحي ممثلا في الكنيسة، وهو ما يعتبر حدثا رئيسا في تاريخ الذهنيات، ومؤشرا على تغيرات نوعية مرتبطة أساسا بالدين والاقتصاد في العصر الوسيط. وقد أكد هنري بير (Henri Berr) أن التاجر لم يكن محتقرا خلال العصر الوسيط، فإذا كانت الكنيسة قد حمته وفضلته إلا أنها تركته لمدة طويلة يتحمل شكوكا حول شرعية الأنشطة وطبيعة المعاملات التي مارسها. وبذلك عارضت الكنيسة ربح التاجر الذي كان يقوم على عامل الزمن، والذي اعتبرته فرضيا في ملك لله (ص. 48)، وطُرح هذا الإشكال نفسه بالنسبة للتدريس: هل يمكن بيع العلم الذي لا يملكه إلا الرب؟
يعتبر تعارض زمن الكنيسة مع زمن التاجر واحدا من الأحداث البارزة والمهمة لرصد تاريخ الذهنيات بأوربا في العصر الوسيط، فقد اعتبرت الكنيسة أن الزمن قبل كل شيء هو زمن ثيولوجي يبدأ مع الرب وهو المتحكم فيه (ص. 49)، وبالتالي لا يمكن اعتباره وسيلة للربح، في حين كان الوقت عنصرا أساسيا للربح بالنسبة للتاجر الذي بنى أنشطته الاقتصادية على فرضيات أساسها الزمن، حيث لجأ إلى تخزين السلع توقعا للمجاعة، ثم البيع والشراء في اللحظات المناسبة، وفقا لنظرته الاقتصادية وتقلبات سوق النقود والمال (ص. 47). ونتيجة لذلك أجهضت مواقف الكنيسة كل إمكانية لتطور القروض، حيث أكد جاك لوغوف أن رفض الربح في وقت محدد، ليس فقط مهاجمة للفائدة، بل تقويضا لكل ما هو ممكن لتطوير القروض في زمن التاجر، الذي تمثلت أولويته في الربح، وبذلك استطاع التحكم في توظيف الزمن ( ص. 62).
لقد حدث تحول مهم آخر أصبح معه الزمن وسيلة للقياس، فكانت مدة السفر ومسالكه من مجال إلى آخر، ومشكل الأسعار الذي يشتد وينحصر حسب تعقيدات المسار المتبع ومخاطره، من أهم المعايير المتحكمة في زيادة أو نقصان ربح التاجر (ص. 57). ومن جانب آخر، تزايدت دقة التعامل مع الزمن من طرف التجار بسبب تضاعف قيمة العملات وتعقد عملية الصرف نتيجة لازدواجية العملة المعدنية، واختلاف العملات الجديدة المتداولة بين التجار، وهي كلها تحولات نتج عنها تغير في القيمة السوقية والتجارية للعملة الفضية، وبالتالي ظهور أولى حالات التضخم والانكماش التي كانت تحدث في السابق بنسب أقل. وقد احتاج كل هذا التوسع في مجال سك العملات إلى وقت مضاعف، إذ في الوقت الذي حل فيه صرافو العملات الأجنبية المنتمين للطبقة الأرستوقراطية محل صرافي العملات المنتمين إلى العصر الوسيط المبكر، أصبحت البورصة التي تهتم بمجال الصرف كفيلة بضمان إغناء البعض أو إفلاس البعض الآخر في ثوان أو دقائق معدودة.
غير أن الزمن الذي كان يتفاعل معه التاجر مهنيا ليس هو ذلك الذي يعيشه دينيا. ففي سعيه للخلاص، قبل التاجر بتعليمات وتوجيهات الكنيسة، كما دعم المظاهر الخيرية، حيث خصص جزءا من أرباحه للتصدق للرب بغية الخلاص ونجاح أعماله، وبذلك أصبحت أهدافه تتأرجح ما بين الربح والخلاص. وفي هذا الاتجاه، رفض “موريس هلبڤاكس” (Maurice Halbwachs) الحديث عن وجود زمن موحد، بل أكد على تنوع الأزمنة الاجتماعية ومنها الزمن المهني، والزمن الطبيعي، والزمن الأخروي (ص. 59).
شكل هذا التغيير في المنظور الزمني الذي عرفه القرن الثاني عشر بدوره تحولا ذهنيا وروحيا، بناء على موقف التاجر الذي أصبح يعتبر أن “الوقت يعني المال” «Le temps c’est déjà de l’argent». وبذلك أصبح الكسول الذي يفقد وقته ولا يقيسه يشبه بالحيوان، لا يستحق أن يعامل كإنسان. وهكذا نسجل تعريفا جديدا للإنسانية بناء على الحساب الدقيق للوقت، كما أن ضبط الاستعمال الزمني كان علمنة صريحة لاستعمال الزمن الكنسي. فكان أن صار قياس الوقت بدقة وقت الساعة، من الأدوات الأولى للإنسان الحضري، وهو ما نتج عنه تغيير آخر في ذهنية إنسان العصر الوسيط الذي طالما اعتبر الوقت في ملك الرب.
أسهم هذا التحول في المنظور الزمني في تغير المواقف تجاه بعض الممارسات التجارية، حيث تم رفع وتجاوز الوقت المحرم الذي فرضته الكنيسة على تاجر العصر الوسيط. ففي فجر عصر النهضة، أصبح الوقت الذي لا ينتمي إلا للرب في ملكية الإنسان (ص. 79). ونتيجة لانتعاش التجارة بأوربا خلال العصر الوسيط، وضعت الكنيسة عدة مبررات لتبرير فائدة ربح التاجر، لعل من أبرزها الخضوع لمخاطر الطريق، وعدم الثقة في تغير الممارسات التجارية، وكذا ركود المال لمدد طويلة. ويبرر كل هذا هامش الربح، وكذا الفائدة التي كان يأخذها التاجر. ولكن ما برر ذلك أكثر في نظر الكنيسة هو عمله في حد ذاته، وكذا الصالح العام الذي يقدمه. وبالتالي وافق كل من اللاهوتيين والقساوسة والشعراء على هذا الأمر، كما توضح أراء “طوما دو شوبهام” (Thomas de Chobham) في كتابه دليل الاعتراف (Manuel de confession) المنشور في بداية القرن 13م (ص. 101).
ثانيا: التراتبيات الاجتماعية وموقف الكنيسة من المهن والحرف:
قسمت الكتابات الوسيطية التي ترجع للفترة الممتدة ما بين القرنين التاسع والثاني عشر، المجتمع المهني إلى ثلاث فئات: أولا، رجال الدين “Oratores”، الذين يرجع احتلالهم المرتبة الأولى لطبيعة قوة الكنيسة المستمدة من العون الإلهي عن طريق ممارستها المهنية؛ ثانيا، فئة العسكريين “Bellatores”، ويعود هذا المصطلح للقرن الثاني عشر، ويخص بروز طبقة الفرسان في صفوف الأرستقراطية العلمانية؛ وأخيرا فئة العمال “Laboratores”، وتشمل هذه الفئة مجموع اليد العاملة.
أصبحت الكلمات المشتقة من كلمة “Labor” مع بداية القرن الثامن، تعني العامل القروي، أو تشير بالأحرى إلى أشكال المهن الريفية، بل أصبحت كلمة “Labores” أو “Labor” تحيل على نتاج وثمار أرباح العمل أكثر من العمل نفسه. وفي إطار مشتقات هذه الكلمة، تبلور المعجم الذي صنف التقدم الزراعي في كثير من المناطق، وبالتالي أصبحت كلمة العمال تعني خصوصا العمال المزارعين الذين يعتبرون المستفيدين الأساسيين من الانتعاش الاقتصادي، وهي بذلك طبقة كانت في الصفوف الأولى للطفرة الزراعية التي عرفها العالم المسيحي في العصر الوسيط، إلا أنها تموضعت في أسفل هرم التراتبيات الاجتماعية في أوربا ما بين القرنين التاسع والثاني عشر.
تعكس هذه التراتبيات الاجتماعية صورة راسخة عن المجتمع المسيحي، غير أنها لا تشمل كل أصناف المجتمع، وإنما تشمل القيم الاجتماعية المتمثلة بالأساس في القيمة الدينية، والقيمة العسكرية، ثم القيمة الاقتصادية، وهو التجديد الذي عرفته المسيحية خلال العصر الوسيط. لقد أكد “جورج دومزيل” (Georges Dumézil)، أن هذه التراتبية الاجتماعية الثلاثية هي عبارة عن تقسيم طبقي، فإذا كان تصنيف رجال الدين قد انتهى بقبول المحاربين إلى جانبهم، فإنهم توافقوا على احتقار العمال (ص. 166).
تعبر هذه الخطاطة بالنسبة لجاك لوغوف عن التناغم والترابط والتكامل بين الطبقات، إذ تشكل هذه التراتبيات الثلاثية بنية المجتمع داخل كل دولة، والتي تنهار إذا لم يتم احترام التوازن ما بين هذه المجموعات التي تحتاج كل واحدة منها للأخرى. ولا يضمن هذا التوازن إلا بوجود قائد وحاكم، وهذا الحاكم هو الملك، وبذلك أصبحت الملكية الوسيطية مهددة بالانهيار في حالة تحول كفاح الطبقات الثلاثية ضد الملك. وفي هذا الإطار، ساق الكاتب مثالا لملك إنجلترا الذي رأى في الحلم العمال والمحاربين ثم رجال الدين يهاجمونه، الأوائل باستخدام الأدوات، والمحاربون باستخدام الأسلحة، ورجال الدين باستخدام شاراتهم، واعتبر ذلك الملك أن العمال هم الطبقة الخطيرة (ص. 90).
توجست الكنيسة من كل نشاط علماني، وأعلت في المقابل من شأن أية مهنة لها علاقة بالثقة في القدر. والأكثر من ذلك أنها اعتبرت أن الإنسان يخدم صورة الرب، وعمل الرب هو الخلق. وهكذا كان ينظر إلى كل عمل لا يخلق على أنه عمل سيء أو أدنى مرتبة. سعت هذه الروح الجديدة للعمل إلى البحث عن مبررات لتأكيد ارتباط العمل بالرب باعتبار أن الخلق كان عملا حقيقيا وهو عمل سماوي، فالمزارع يخلق الحصاد، والحرفي يحول المادة الخام إلى منتوج مصنع. وفسر جاك لوغوف عداء الكنيسة للعمال انطلاقا من مظهرين أساسيين، ارتبط الأول بعداء الكنيسة تجاه مبدأ المؤسسة بشكل عام، لكونها لا تعترف إلا بالمجموعات التي كانت تخضع للإرادة الإلهية، وبالتالي لم تقبل بتنظيم المهن باستثناء تلك القائمة على مبدأ ديني. بينما يتجلى المظهر الثاني في تحفظ الكنيسة على عدد كبير من الأنشطة المهنية.
لقيت المهن غير الزراعية صعوبة في التمركز بالمجتمع المسيحي خلال العصر الوسيط، حيث حُرمت بعض المهن، واستُحقر البعض الآخر، ويرى جاك لوغوف أن جرد المهن الدنيئة خلال العصر الوسيط، سيؤدي إلى وسم جل مهن تلك المرحلة بالدونية (ص. 92)، الأمر الذي تعكسه لائحة أصحاب المهن المحتقرة الأكثر انتشارا مثل الجزار والمشعوذ والراعي والساحر والإسكافي وصاحب الفندق والسمسار والكيميائي والعاهرة والموثق والتاجر وصانع الفطائر والبستاني والرسام والصياد والحلاق والخياط. تعتبر كل هذه المهن السالفة الذكر مهنا محرمة لعدة أسباب منها ما يتصل بالطابوهات المتعلقة بالدماء مثل الجزارين والجلادين والحلاقين والجراحين. ومنها الطابوهات المتعلقة بالقذارة والنجاسة، وتهم أساسا الصباغين والطباخين. ثم هناك الطابوهات المتعلقة بالنقود، إذ شجع اللاهوتيون الوسيطيون إطلاق اللعنات ضد النقود، كما كرسوا الاحتقار ضد التجار، وبصفة عامة ضد جميع المتعاملين بالنقود، وأُطلق عليهم اسم “المرتزقة”.
من خلال ما سبق، نلاحظ أن المجتمع الغربي خلال هذه الفترة كان مجتمعا ريفيا يستحقر معظم الأنشطة التي لم تكن متصلة بالأرض، غير أنه خلال الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، ظهر تغيير وتطور اقتصادي واجتماعي في الغرب المسيحي، يكمن اعتباره إشارة واضحة، كسب من خلالها العمل مشروعيته داخل المجتمع، حيث برزت وتطورت مهن جديدة، كما تشكلت فئات مهنية جديدة. ويمكن اعتبار هذه الفترة بمثابة نهاية إدانة العمل، إذ أُحدثت مراجعات للمواقف ضد المهن، بحيث تراجع عدد المحرم أو المهمل منها.
ونتيجة لهذه التطورات التي عرفها المجتمع الغربي، حاولت الكنيسة أن تجد مبررات للعمل، فتعددت أسباب العذر ووسائل التبرير، وذلك من قبيل إدخال الفلاح لمحصوله يوم الأحد بسبب تساقط المطر، لأن العمل كان محرما عليه يوم الأحد. كما أصبحت هناك نية حسنة لتبرير صناعة الأسلحة، ونفس الأمر بالنسبة لصناع وتجار الألعاب المصممة لقضاء وقت الفراغ، التي أصبحت تعتبر بمثابة علاج ضد الحزن والأفكار السيئة.
برز منذ نهاية القرن الثاني عشر تبريران مهمان؛ ارتبط التبرير الأول بإشكالية الصالح العام، والتي ظهرت مع تنامي فكرة الإدارة العمومية، التي استمدت قوتها من الفلسفة الأرسطية، فأصبحت بذلك صناعة النسيج والألبسة مهمة لتلبية حاجيات الإنسان. أما التبرير الثاني فارتبط بالكد أي العمل بعيدا عن اعتباره موضوعا للاحتقار أو رمزا للدونية، وأصبح بذلك العمل شيئا مستحقا، ولا تقدر ممارسته بنوعيته ولكن بقيمة الربح، وتبينت أهمية بعض المهن بما فيها مهنة التدريس التي برزت خلال القرن الثاني عشر.
بناء على ما سبق، كانت الجامعات في بداية الأمر تابعة للكنيسة، وأصبحت فيما بعد تابعة للملوك، وبفضل الوعي الذي تراكم لديها، حاولت الجامعات الاستقلال عن هاتين السلطتين. ولأجل ذلك بحثت عن الاستقلال القانوني، الذي حصلت من خلاله نسبيا على الاعتراف من لدن السلطات العامة. وقد فسر جاك لوغوف العلاقة بين الجامعات والسلطات العامة خلال العصر الوسيط وزمن النهضة، بالهيبة التي أصبحت تتمتع بها الجامعات، والمرتبطة بالعلوم نفسها حيث سمحت بالانتقال من مظهر السحر إلى علوم عقلانية وتطبيقية لا تتصل بالمقدس، وإنما تروم تعلم التقنيات والعلوم، واستشهد الكاتب في هذا الصدد بجون دو جيرسون (Jean de Gerson)، الذي أكد على الفضائل الفكرية والعلمية للجامعة باعتبارها أم الدراسات ومعلمة العلم ومدرسة الحقيقة، كما أكد على قيمة الطب مقارنة بالدجل، ومدح الأطباء ضد العرافين والسحرة، ووصف هذه الفئة الأخيرة بالمجانين.
حكمت الجامعات الحياة بأصنافها الثلاثة: الحياة الجسدية، والحياة الروحية، والحياة السياسية. نُظمت الحياة الأولى من طرف كلية الطب، والثانية من طرف كلية اللاهوت، أما الثالثة فتحكمت فيها كلية الفن. وفي خضم التطورات التي عرفتها الجامعات، أشار جاك لوغوف إلى التغيرات الفكرية التي أحدثتها الجامعات في الذهنية الأوربية، وتتمثل في تغير المواقف تجاه مهنة التدريس، بحيث كان العلم والثقافة قبل القرن الثاني عشر من صلب اهتمام رجال الدين الذين احتكروهما.
اعتبرت الكنيسة أن العلم هبة من الرب، وبالتالي لا يمكن بيعه، وعلى هذا الأساس كان ينظر إلى الأساتذة على أنهم يبيعون العلم، غير أنه ومع المدارس الحضرية التي تركزت بالمدن خلال القرن الثاني عشر، تغيرت الشروط المادية والاجتماعية والروحية للمعرفة بصفة جذرية، وبالتالي أصبح الأساتذة يأخذون أجورهم من السلطات العمومية ومن خزائن الكنيسة أو عن طريق أجور مدفوعة من الطلاب. وفي هذا الصدد قدم جاك لوغوف في المقال السادس والمعنون بـ”العمل وأنظمة القيمة: حساب الجامعة في بادو (Padoue) خلال القرن الخامس عشر” (ص. 148)، لمحة عن الهدايا الفضية والطبيعية التي كان يطالَب بها الطلاب يوم الامتحان، رغم أن الجامعة خصصت أجورا للأساتذة.
أصبح تبرير العمل يكتسي قيمة أكبر مع نهاية القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر، حيث أُطلق العنان لتبريرات أخلاقية ومهنية للدعارة على سبيل المثال، بعدما كان يُنظر لها باستحقار، وهو ما يتجلى في رفض الأساقفة لتبرعات العاهرات المقدمة لمريم العذراء. لكن الصورة التقليدية والسلبية التي كانت ملتصقة بهذه الفئة، سرعان ما تغيرت واهتزت بدورها، وأصبح ينظر لممتهنات الدعارة كمرتزقة، لأنهن يتاجرن بأجسادهن ويصنعن بذلك عملا. وبذلك أصبح بإمكان العاهرات الاحتفاظ بأرباح الدعارة والتصدق منها للفقراء أو الكنيسة. نتيجة لذلك، أصبح لكل مهنة دورها المادي وقيمتها الروحية، ولم تعد هناك حرف تشكل حاجزا أو عائقا أمام الخلاص، خاصة مع التجديد الاقتصادي الذي عرفته أوربا ما بين القرن الحادي عشر والقرن الثالث عشر، وما رافقه من انتعاش للتجارة وارتفاع الساكنة الحضرية. ونتيجة لذلك تغيرت صورة المجتمع، وبرزت فئات جديدة مرتبطة بالأنشطة الاقتصادية الجديدة، وهي الفئات التي حطمت التمثلات العتيقة تجاه العمل.
تمكن عالم العمال من فرض وجوده أمام عالم الصلاة وعالم الحرب، حيث توحدت هذه الفئات الجديدة ضد الفئات القديمة المهيمنة، وفرضت وجودها في النسق الاقتصادي والروحي. وفي ظل هذه التغيرات التي عرفها المجتمع الغربي، برز انعزال الطبقة العليا عن الطبقات السفلى في المجتمع الحضري. فمن جهة نجد التجار الأغنياء، ومن جهة أخرى نجد الحرفيين الصغار والعمال القرويين والفقراء. وأسفرت هذه التغيرات عن هيمنة طبقات جديدة غالبا ما حصلت على مبررات نظرية وروحية لممارساتها الاجتماعية والمهنية، وبدأت تتأكد خلال هذه الحقبة قيمة العمل في العالم البروتستانتي كما في العالم الكاثوليكي.
ثالثا: كتب الاعتراف والمواقف من العمل في العصر الوسيط
يأتي إيلاء الأهمية لدلائل الاعتراف في قراءتنا إلى درجة تخصيص محور لها، بهدف تقديم جنس مصدري لم تشهده مجالات أخرى من العالم، الأمر الذي منحته الأبحاث الوسيطية الجديدة حول تاريخ أوربا حيزا رحبا، بغية فهم العديد من الوقائع التاريخية في بعدها اليومي والثقافي المرتبط بالمجتمعات الوسيطية. فكيف يمكن لهذا الجنس المصدري أن يكون شاهدا على التحولات التي عرفها الغرب الأوربي خلال العصر الوسيط؟ تتأكد أهمية هذا التساؤل لكون كتاب دلائل الاعتراف هم رجال الدين الخارجون عن الحياة المعتادة والمهتمون فقط بكل ما هو روحي، كما أن المعجم المعتمد وآليات التفكير لديهم تقوم على أساس المعتقد الديني.
اعتبر جاك لوغوف أن كتب الدين والكنيسة مصدر مهم بالنسبة لمؤرخ العقليات، خاصة تلك المرتبطة بالنظرة المسيحية للأنشطة المادية، إلا أنها تستوجب في نظره تحليلا معمقا لمواضيعها مع مراعاة البعد الزمني. ويمكن للباحث أن يحصل على جملة من المعلومات في ثنايا هذا الجنس المصدري. فخلف الترجمة الدينية هناك إشارات حول الوسائل الاقتصادية وتقنيات العمل، ويتعلق الأمر هنا مثلا بالمحراث، والمطحنة، والمعصرة، حيث تتم الإشارة لها عن طريق مهام قديس ما، وذلك بذكرها في سيرته الأسطورية. كما تقدم معطيات مهمة حول الحياة المادية، بداية باستخراج الفحم في “دوفيني” (Dauphiné)، مرورا بنقل الملح في “موزيل دوميتز” (Moselle de Mertz) إلى “تريفي” (Trèves) خلال القرن السابع، وظهور العربة اليدوية. ولا بد من الإشارة إلى كون عقلية الغرب الوسيطي لم تكن تدرك خارج المعالم الدينية، وهذا ما أكده بإسهاب لوسيان فيفر (Lucien Febvre) (ص. 164). ونتيجة لذلك اتخذ التقدم التقني خلال العصر الوسيط بأوربا شكل معجزة، لأنه سيطر على فئات كانت لا تعرف غير المباركة الإلهية.
وفي هذا الاتجاه، تعد كتب الاعتراف شاهدا على الوعي المهني الذي تولد لدى العمال والتوجه الإيديولوجي للأوساط المهنية، فقد ظهرت مواجهات بين الرهبان، مع محاولة هؤلاء مواكبة التحولات التي عرفها المجتمع خاصة على مستوى المواقف تجاه العمل. وقد برز ذلك بشكل واضح مع التراتبيات الاجتماعية الجديدة التي أسهمت خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر في التغيير، إذ أصبح معها العمل وسيلة إيجابية للخلاص. ومع تعويض فكرة البطل الفاضل بالتقني الماهر، أكد إنجيل (Guiot) على ضرورة منح مكانة اجتماعية لعمال المناجم والنحاتين والمهندسين (ص. 174).
تكرست ممارسة المهن المتنوعة في ظل توفر الشروط الإيديولوجية اللازمة والبنيات العقلية الموازية خلال نهاية القرن الثالث عشر، وتحول دور التوبة في ظل هذا التكريس، وأصبح هذا الدور موجها من قبل كتب المعترفين. فظهرت حقيقتان مهمتان مكنتا من حدوث تطور ثلاثي: تطور الاعتراف، وتطور العمل، وتطور بنية المجتمع. أما الحقيقة الأولى فهي القانون 21 من مجمع لاتران الرابع في روما (IVe Concile du Latran) لسنة 1215 (ص. 175)، الذي ألزم كل مسيحيي الغرب بممارسة الاعتراف السنوي. وأما الحقيقة الثانية فيمثلها كُتاب دلائل الاعتراف. بناء على ذلك طُرحت على المعترفين أسئلة محرجة، لجهلهم بالتعديلات التي مست القانون، أو لأنهم نشأوا في بيئة تقليدية، وبالتالي احتاج هؤلاء المعترفون إلى توجيهات وكتيبات تستلزم كتابا محترفين، فظهر بذلك عدد منهم ينتمون لقوى الزهاد الجدد، اكتسبوا كفاءتهم من ارتيادهم الجامعات وسكنهم بالمدن.
طرحت دلائل الاعتراف مجموعة من المواضيع ذات العلاقة بالخطيئة وطبيعة المهن والحرف، من بينها أن تصنيف الخطايا كان خاضعا لمعيار طبيعة الأنشطة الممارسة، حيث تختلف خطايا طلبة العلم عن خطايا القضاة أو رجال الدين أو العمال الميكانيكيين، كما وضحت إشكالية تغير الموقف من أجرة المدرسين والأساتذة، وحصول التجار والمفكرين على شرعنة أرباحهم في ضوء الموقف الوسيطي من العمل، باعتبار ربحهم مكافأة. أخيرا، عكست دلائل الاعتراف الوعي بأهمية العمل من قبل العمال أنفسهم، وبينت مدى ضغطهم على الكنيسة لكي تمنحهم نوعا من الاعتبار، وهذا راجع لأسباب منها أن كُتاب هذه الدلائل كانوا ممارسين للمهن، كما كانوا على دراية عميقة بالوعي المهني وبالعالم الذي يقودونه. فطرحوا بذلك أسئلة واقعية وملموسة (مثل: هل يجوز البيع مقابل الزمن؟ وهل تجوز التجارة يوم الأحد؟).
مقارنات:
يعكس هذا الكتاب عملا آخر للمؤرخ الفرنسي جاك لوغوف في اهتمامه بتاريخ العمل والمهن بأوربا خلال العصر الوسيط، وذلك في علاقته بالمواقف الدينية للكنيسة والتحولات الطارئة على الاقتصاد. فقد رصد في مؤلفه “نشأة المطْهر” (La naissance Du Purgatoire)، الذي نظمه في ثلاثة فصول (العالم الآخر قبل المطْهر، ونشأة المطْهر، وانتصار المطْهر)، مواقف المسيحية من المتاجرين بالربا، ونظرة المسيحية للعالم الآخر، وفكرة محاكمة الموتى التي انتشرت بشكل واسع بأوروبا في العصر الوسيط. وبذلك أصبح المرابي خلال القرن الثامن وتحت تأثير مجموعة من الشروط معتوقا من النار بفضل المطهر. وكان من بين وظائف المطهر تخليص بعض الفئات المذنبة من النار، خاصة الذين لم يكن لهم أي أمل للإفلات من الجحيم بسبب طبيعة وفداحة خطاياهم، مثل مرتكبي الكبائر كالردة والشهوة والربا.
يستنتج من خلال الكتاب موضوع القراءة وفي تفاعل مع ما تم الاطلاع عليه من كتاب نشأة المطْهر، أن العديد من المهن التي كانت منتشرة بأوروبا الوسيطية، بحثت عن تبريرات دينية، خصوصا تلك التي كانت وليدة تحولات اقتصادية لم تعتدها أوربا في تاريخها من قبل، لذلك احتاجت هذه المهن الجديدة هي الأخرى للحصول على تبريرات، لمنح ممارسيها شرعية الانتماء للمجتمع أمام سيطرة التراتبية الاجتماعية الوسيطية. ولعل دلائل الاعتراف تعكس بشكل جلي حجم التحولات التي حدثت على مستوى هذه المواقف التي لا نكاد نلمسها في تاريخ المغرب في العصر الوسيط باستثناء الموقف من الفلاحة والرعي.
ففي تاريخ المغرب وعلى غرار ما شهده العالم الإسلامي، كان تصنيف الحرف إلى حرف شريفة وأخرى مستحقرة، خاضعا للعديد من المعايير الدينية المرتبطة بسير الأنبياء ومواقف الشريعة، حيث ارتبط الصنف الأول بالحرف والمهن التي مارسها الأنبياء والصحابة أو التي نُظر لها من جانب جلب المنفعة، مثل الفلاحة والصناعة والتجارة. بينما ارتبط الصنف الثاني، بالعديد من المهن والحرف الكشفية وفي مقدمتها حرفة العرافة، التي شملت كل من اشتغل بضرب الخط، وكتابة المحبة والبغض، وعقد (ربط) العروس1، ومختلف الممارسات السحرية المتمثلة في قراءة الكتف، وخط الرمل، والتنجيم2. وقد نعت الفقهاء أصحاب هذه الحرف، بالكذب والتدليس3، ولم يترددوا في الإفتاء بتكفيرهم، كما حرموا «المشي إلى أهلها وتصديقهم، (…) وبذل المال إليهم»4. ويعود احتقار هذه الحرف لتعارضها والضوابط الشرعية أو التعاليم الدينية، مما يدفع للاعتقاد أن المرجعية الدينية قد تحكمت بشكل كبير في تحقير حرفة العرافة. ولم يختلف موقف باقي فئات المجتمع عن موقف الفقهاء، حيث رفضوا أن يقطن بينهم مثل هؤلاء، تحسبا لأي ضرر قد يلحق بهم5.
أما بالنسبة للكيمياء، فقد تضمنت كتب النوازل أحكاما ومواقف شوهت صورة هذه الصنعة، حيث نظر بعض الفقهاء إليها باحتقار وازدراء6. بينما أقر البعض الأخر بوجودها، ونذكر من بينهم القاضي عياض الذي اعتبرها من الممكن الموجود، شريطة ألا «ينصب تحليله [أي الكيميائي] بذلك شركا لصيد أموال الناس. فإن ظهر منه هذا أو أدخل الدلسة في نقودهم، أنقد تشريده وبولغ أدبه»7. وتشير العديد من النوازل إلى مختلف أشكال الغش والتدليس التي مارسها الكيميائيون، نذكر منها على سبيل المثال تزييف العملات وتحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة. ويُرجح احتقار الكيمائيين لمخالفتهم التعاليم الدينية والمعايير الأخلاقية، تبعا لما مارسوه من غش وتدليس وتزييف للعملة.
إن صنعة الكيمياء من الحرف التي نُظر إليها باحتقار، حتى أن المتصوفة نعتوا أصحابها بالكذب والتدليس، بل هناك من اعتبرها من أكبر أبواب الفتنة، وأسباب المحنة ولها ضراوة كضراوة الخمر، وبابها أعظم من أبواب الشر، قد يفتتن بسماع أوصافها الصالح والطالح، ويميل إلى زهرتها بالطبع الغريزي العقل والراجح، ولم يترددوا في منع مجالسة من يمتهنها. وبالمقابل، شكلت صنعة الكيمياء محط اهتمام بعض الأولياء، وكانوا على دراية بها ولم يفتوا بتحريمها، بل اعتبروها علما كسائر العلوم الأخرى، ولم يتخذوا إزاءها موقفا سلبيا، كالشيخ عبد الله بن محمد العنابي الدرعي، ومحمد الأندلسي نزيل مراكش. ولم يكتف بعض هؤلاء بسبر أغوار صنعة الكيمياء كعلم فقط، بل منهم من زاولها واتخذها وسيلة للعيش8.
أما امتهان الدعارة، فقد اتخذ الفقهاء موقفا سلبيا تجاهه، وتدفقت فتاوى الفقهاء بالأحكام للحد والتصدي لممتهنيها، حيث تم وصفهم بأقدح الأوصاف، وتعالت أصوات الفقهاء لتطبيق الشرع في حق كل ممتهنة للدعارة9، مستشهدين بمجموعة من الآيات والأحاديث التي تعضد موقفهم. ولم تكن نظرة الفقهاء ومواقفهم إزاء مهنة الدعارة مختلفة عن موقف باقي فئات المجتمع، حيث رفضوا أن يقطن بينهم من يمتهنها، تحسبا لأي ضرر قد يصيبهم10.
لا تختلف تصنيفات الفقهاء عن تصنيفات العامة داخل المجموعات القبلية ما قبل الاستعمار، باستثناء التبريرات المقدمة حول تحريم أو احتقار بعض المهن والحرف. ونعثر في هذا الصدد على احتقار ممتهني الحلاقة-على عكس بعض المتصوفة11- والحدادة والجلادة وحفر القبور والسحر. بل تعدى الأمر إلى “الإقصاء الاجتماعي” لممتهني أعمال السحر من خلال منعهم من امتلاك الأرض والمشاركة في تدبير شؤون القبيلة، كما هو شأن القبائل بالريف الشرقي12. ويعتبر إدموند دوتي (Edmond Doutté) أن احتقار الحداد راجع لتعامله مع النار والحديد، في حين كان احتقار الجلادين وحفاري القبور نتيجة لعلاقتهم بالموت والموتى. وبالتالي يدخل احتقار مثل هذه المهن لعلاقتها بما كان يشكل لديهم مصدر خوف13.
تتمثل نقط التشابه بين تاريخ المهن والحرف بضفتي المتوسط في أن التصنيف الوسيطي كان خاضعا لتأويل المعتقدات الدينية عبر استحضار سرديات الخلق وقصص الأنبياء وتراجم الأولياء/القديسين، في حين نلمس نقط الاختلاف في حجم التحولات الاقتصادية التي شهدتها أوربا في أواخر العصر الوسيط، والتي فرضت إعادة ترتيب التشكيلات الاجتماعية بالإحالة على العديد من التبريرات والطقوس التي تعكسها دلائل الاعتراف وطقوس التطهير. لقد كانت الفلاحة على سبيل المثال في موضع اعتباري بالنسبة لأوروبا في العصر الوسيط، وفي المقابل تم احتقار العمل اليدوي باستحضار مواقف فلاسفة اليونان. أما في المغرب بالعصر الوسيط -وبخصوص هاتين الحرفتين-، يمكن أن نسجل بالنسبة للفلاحة تحول الموقف من ممتهنيها تحديدا في القرن التاسع الهجري نظرا للدور الذي اضطلع به فاعلون جدد ممارسون للرعي. أما بالنسبة للعمل اليدوي، يمكن القول إنه كان خاضعا للمعايير الدينية والأسطورية وآداب الحسبة. وحتى في صفوف المجتمع، كثيرا ما كانت طوائف الحرفيين مرتبطة بولي أو زاوية، وغالبا ما تم احتقار جل الممتهنين للسحر، رغم الإقبال عليهم وانتعاش سوقهم انطلاقا مما ساقته كتب الرحلات ومؤلفات النوازل.
ختاما، تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه سلط الأضواء على جوانب مهمة من تاريخ المهن في الغرب المسيحي، ووفر بذلك أرضية يمكن اعتمادها لمواصلة اكتشاف عالم العمل خلال العصر الوسيط، كما يمكن اعتباره أرضية لعقد المقارنة حول طبيعة ومسار تطور المواقف تجاه العمل بين ضفتي المتوسط. يقدم الكتاب صورة عن التطور الذي عرفته أوربا على مستويات عدة، والنضال الذي خاضه الفاعلون الاقتصاديون من أجل التحرر من التبعية للكنيسة وتحقيق الاستقلال الاقتصادي عنها، لتحدث بذلك ثورة على مستوى المواقف الاجتماعية التي طالما تحكمت فيها توجيهات رجال الكنيسة وخضعت لتقييماتهم الدينية.

 

الهوامش:

1. أبو القاسم بن أحمد البرزلي، فتاوى البرزلي: جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام، الجزء السادس، حققه محمد الحبيب، دار الغرب الإسلامي، 2002، ص. 228.
2. نفسه، ج6، ص. 233-234.
3. أبو الوليد محمد ابن رشد، فتاوى ابن رشد، الجزء الأول، تقديم وتحقيق وجمع وتعليق المختار بن الطاهر التليلي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1987، ص. 259-261.
4. أحمد بن يحيى الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب، الجزء الثاني، تحقيق جماعة من المؤلفين، إشراف محمد حجي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1981، ص. 366-367.
5. القاضي عياض، مذاهب الحكام في نوازل الأحكام، تحقيق وتعليق محمد بن شرفة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1990، ص. 88– 89.
6. عبد العزيز الزياتي، الجواهر المختارة مما وقفت عليه من النوازل بجبال غمارة، دراسة وتحقيق غنية عطوي، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة قسنطينة، 2012 – 2013، ص. 238.
7. القاضي عياض، مصدر سابق، ص. 53.
8. عبد الحق البادسي، المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف، تحقيق سعيد أعراب، الطبعة الثانية، المطبعة الملكية، الرباط، 1982، ص. 73.
9. البرزلي، فتاوى البرزلي، ج 6، ص. 149.
10. انظر: القاضي عياض، مصدر سابق، ص. 88. أبو سالم إبراهيم بن هلال، الدر النثير على أجوبة أبي الحسن الصغير، الجزء الثاني، اعتنى به أبو الفضل الدمياطي أحمد بن علي، مركز التراث الثقافي المغربي، دار ابن حزم، الدار البيضاء، 2011، ص.423.
11. أحمد بن ينصارن الماجري، نفسه، ص. 143-145.

12. Raymond Jamous, Honneur et Baraka, les structures sociales traditionnelles dans le Rif, Cambridge University Press et Maison des Sciences de l’Homme, Paris, 1981, p. 208.
13. Edmond Doutté, Magie et religion dans l’Afrique du Nord, Alger, 1909, pp. 40-43.

- يونس غاب والسعدية قابل

يونس غاب : كلية الآداب والعلوم الإنسانية فاس- سايس / السعدية قابل : كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق - الدار البيضاء

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.