الجمعة , 22 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » قـــراءات » الكتابة التاريخية في موريتانيا

الكتابة التاريخية في موريتانيا

محمد المختار ولد السعد، إمارة الترارزة وعلاقتها التجارية والسياسية مع الفرنسيين من 1703 إلى 1860، الرباط، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، 2002.

يحتل الباحث محمد المختار ولد السعد مكانة بارزة في الحقل الأكاديمي الموريتاني، وذلك بفضل مساهماته الجدية والرصينة في تأصيل وتقعيد الدرس التاريخي المتعلق بموريتانيا. والمتتبع للمسار العلمي للرجل، لا يسعه إلا أن يقف على ذلك الخيط الرفيع الذي يصل بين إنجازاته السابقة واللاحقة، حتى ليمكن القول إن أعماله الأولى كانت بمثابة تمهيد وتمرين ـإن على المستوى الموضوعي أو النظريـ في كتابة تاريخ موريتانيا. والدراسة محل الاشتغال، وإن كانت تهم مجال إمارة الترارزة، كإحدى الوحدات البارزة ضمن باقي مكونات المشهد السياسي الشنقيطي خلال القرنيين 18 و19 للميلاد، فإنها تعد بمثابة سياحة أو إطلالة شمولية على تاريخ موريتانيا الأمس عبر العين التروزية.

في التمهيد:

عادة ما تستدعي لحظة الاستقلال الوطني مسألة الهوية وخصوصياتها، مما يحتم البحث في الأصول التاريخية للمجتمع المعني، على غرار ما فعل الباحث الناني ولد الحسن باقتدار ملحوظ، حين توجهه لمعالجة زمن المرابطين أثناء المرحلة الصحراوية(1). على أن محمد المختار ولد السعد على الرغم من وعيه العميق بحيثيات القضية، وإلمامه الواسع بصيرورة تطور المجتمع الأهلي، فضّل شأن عدد غير قليل من الباحثين، التوقف عند لحظة لاحقة وحاسمة من تاريخ بلاده: لحظة تقفز بنا مباشرة إلى القرن17، لتشهد على حركية اكتساح القبائل المعقلية للفضاء الشنقيطي، ثم قيام حرب شرببه إبان عشرة السبعين من ذات القرن، وما تمخض عنها من تبعات، أدت في نهاية المطاف إلى استقرار الوضع الديمغرافي، مما مهد لبداية وتدشين عهد جديد في التجربة التاريخية الشنقيطية.

وإذا جاز لنا اختزال الزمن الشنقيطي الإسلامي في الثقافة العالمة المحلية، يمكننا رصده في ثلاث محطات أساسية أو ثلاث لحظات تاريخية مُؤسسة :الأولى تبدأ بانتشار الإسلام في صحراء صنهاجة اللثام إبان القرن التاسع للميلاد، وتنتهي بقيام الحركة المرابطية خلال القرن11؛ أعقبتها مرحلة من الفراغ الوثائقي والصمت المطبق، دامت طويلا، حيث استغرقت خمسة قرون من الزمن. ذلك أنه بمجرد ما صعد المرابطون لتمهيد المغرب الأقصى، تاركين وراءهم صحاريهم، حتى خرجت الصحراء من اهتمامات الكتابات التاريخية، وأصبحنا بالتالي أمام حالة نكاد لا نجد فيها أي أثر مدوّن محلّي ومعاصر، يدلّنا على التطورات التي شهدتها صحراء صنهاجة خلال القرون اللاحقة، خاصة خلال الفترة المتراوحة فيما بين منتصف القرن11 ومنتصف القرن17. ولتلك الوضعية، يقول المؤلف :”ما يسوغها من الناحيتين الموضوعية والذاتية في بلد لقاح [موريتانيا] لم يعرف عبر تاريخه سلطة مركزية قبل 1960. فالبنية العشائرية للمجتمع الموريتاني، وظاهرة الترحال الدائب بحثا عن الماء والكلأ، وظروف الصحراء القاسية كان لها أكبر الأثر في عدم الاعتناء بالتوثيق ولاسيما في مجالات التاريخ وبالذات الاقتصادي والاجتماعي منه الذي لم يكن يتصدر اهتمامات القيمين على التوثيق في ذلك المجتمع”. وما من شك، أن تقييم محمد المختار ولد السعد لا يطال الفترة المعنية فقط، وإنما يشمل وينسحب كذلك على الفترات أو العصور اللاحقة، لكن بمستويات متفاوتة.

وأما المحطة الثانية، فتأخذنا مباشرة إلى القرن17 وما شهده من تطورات مرتبطة بحدث زحف وهجرة القبائل المعقلية(من بني حسان) التي اكتسحت الفضاء الشنقيطي، وأحدثت به تحولات عميقة خلال القرنيين18-19، إن على المستوى الديمغرافي أو السياسي أو الثقافي. وأخيرا، تأتي المحطة الثالثة، المرتبطة أساسا بالعهد الاستعماري الفرنسي مطلع القرن العشرين، والذي مهد له المستكشفون الأوروبيون خلال القرنيين18-19، بالعديد من الكتابات الاستكشافية والمناورات السياسية.

ولعل أهم ما يمكن التقاطه بخصوص المحطة الثانية على المستوى الثقافي، أنها شكلت قطيعة مع تلك الحقبة من القرون الخمسة من الصمت، إذ أدى اكتساح القبائل المعقلية إلى انتشار اللهجة الحسانية وتعرّب ايزناكن (صنهاجة المصادر العربية) الجينيالوجي واللغوي(2)، مما سمح للشناقطة ( أو البيضان) بولوج عهد التدوين والتأليف في رحاب الثقافة العربية الإسلامية. ثم سرعان ما شهد الجانب الأخير نموا متصاعدا خلال القرنيين18-19، فتهيأ للباحثين في حقول معرفية مختلفة رصيد مصدري محلي لا يستهان به مقارنة مع المرحلة السابقة؛ وقد زاد من إغراء هذه الفترة، أنها توافقت مع الرصيد المصدري الذي خلفته مرحلة الكشوفات الجغرافية الأوروبية على الشواطئ الأطلنتية، فضلا عن الكتابات الممهدة للمرحلة الاستعمارية(3).

ولئن كانت عودة الباحثين إلى المحطة الأولى (المرتبطة أساسا بزمن المرابطين والمقدمات التي أفضت إلى قيام هذه الحركة في رحاب الصحراء)، تفيد التأكيد على انتماء الشناقطة للإسلام والأمة الإسلامية، فإن الاهتمام بالمحطة الثانية يؤشر أو بالأحرى يندرج في إطار ترسيخ وتثبيت الانتماء للهوية العربية والثقافة العربية الإسلامية، بما يخدم الدولة الوطنية الناشئة؛ وفي ذات الوقت، يقدم للمشتغلين على الحقبة الاستعمارية الفرنسية، أي المحطة الثالثة والأخيرة، شهادة ذات عمق تاريخي، قادرة على مواجهة مرتكزات الخطاب الاستعماري.

لقد شكلت هذه اللحظات المؤسسة، خيطا ناظما ومتحكما في إكراهات التحقيب، وما يتولد عنه من ضرورة ابتداع الجهاز المفاهيمي الملائم لكل لحظة. وههنا، تجب الإشارة إلى أنه أمام ضعف التراكم الأكاديمي المتعلق بتاريخ موريتانيا بفعل حداثة نشأة الجامعة بنواكشوط(1981)، نسجل ميلا وانجذابا لدى جلّ الباحثين الموريتانيين المشتغلين في حقل العلوم الإنسانية لتغطية أو بالأحرى للعودة إلى هذه اللحظات الثلاث، حتى ولو كان موضوع الدراسة يتعلق بالشعر الشنقيطي خلال القرن13هـ/19م ( أحمد ولد الحسن)، أو بصورة بلاد شنقيط من خلال الكتابات الأوروبية إبان العصر الحديث (محمدو بن محمذن)، أو بتحقيق مؤلف له صلة بالعهد الاستعماري الموافق لبداية القرن العشرين (إيزيد بيه بن محمد محمود)، أو بدراسة تتعلق بالنظام القانوني والشرعي لملكية الأرض في موريتانيا (يحيى بن البراء). ولعل مما يزيد في تزكية هذه الميولات لدى الباحثين الموريتانيين، أن القارئ العربي، قلما أبدى اهتماما جديا بتاريخ وثقافة المجتمع الموريتاني(4).

ونرى أن كل جهد يروم استكشاف الإنتاج الثقافي الموريتاني بغرض استقراء تاريخ موريتانيا الأمس، يصعب عليه أن يفهمه ويتفهمه، دون استحضار المعطيات أو الخلفيات المنوه بها؛ إذ إنها تمثل المفاتيح الأساسية المساعدة في فهم وتفهم التطورات التي شهدها المسرح التاريخي الشنقيطي. على أن الصعوبات التي يواجهها المهتم أو المستكشف بهذا الصدد، لا تقف عند هذا الحد، ذلك أن تبعات فشل أهل المنطقة في بلورة وصياغة دولة مركزية قبل عام 1960، كان لها أثر ووقع بالغ في تشظي الزمن السياسي الشنقيطي، مما يضع أمامنا صعوبات ليست بالهينة في متابعة صيرورته.

وفي هذا الإطار، يذكر المؤلف(ص251) أن تأكيد البداة الظاعنين على وحدتهم الجينيالوجية، إنما هو نوع من التعويض عن تشتتهم المجالي. ثم يضيف، أنه إذا كان بنو حسان قد فشلوا في توحيد المنطقة على المستوى السياسي، فإنهم وحدوها على المستوى الثقافي بنشر لغتهم(اللهجة الحسانية) في عموم المنطقة الممتدة من تخوم وادي درعة شمالا إلى ضفاف نهر السنغال جنوبا، ومن المحيط الأطلسي غربا إلى منطقة أزواد شرقا (التجزئة السياسية مقابل الوحدة الثقافية خلال العهد الحساني، ص95).

كما ألمحنا فيما تقدم، فقد اختار محمد المختار ولد السعد منذ بداية مسيرته العلمية الانكباب على اللحظة الثانية، حيث أنجز رسالة جامعية برسم نيل الميتريز عام 1982، حول حرب شرببّه (أو أزمة القرن17) وحيثياتها المختلفة، ثم نقّح الدراسة وأصدرها عام 1994(5). وقد أبان في هذا العمل عن كفاءة علمية معتبرة، أشّرت على ولادة مؤرخ محنك أو صاحب صنعة بتعبير ابن خلدون؛ وحينما أصدر مؤلفه الثاني حول الفتاوى عام 2000(6)، ازداد يقيننا بحسن ظننا.

وغير خاف، أنه منذ بداية مرحلة التدوين والتأليف في الفضاء الشنقيطي عند ملتقى القرنيين 16 و17، وإلى غاية دخول الاستعمار الفرنسي مطلع القرن العشرين، همين على التراث الثقافي الشنقيطي ميولات ذات نزعات فقهية أو أدبية-شعرية، مما جعل جلّ الإنتاج المعرفي المحلي ينشد نحو هذين الحقلين، أو يصطبغ بلونيهما. من ثمة، شكلا قناتين ضروريتين وسندين أساسيين لكل منشغل بالحقول المعرفية المندرجة تحت اسم العلوم الاجتماعية والإنسانية، سواء تعلق الأمر بالعلوم السياسية، أو علوم اللغة (اللسانيات) والأدب والشعر، أو الفقه والتاريخ والجغرافية والأنتروبولوجيا، والسوسيولوجيا الخ. وتبعا لذلك، يمكن أن نجد ذات البيت الشعري أو النص الفقهي يتمتع بنفس الأهمية والاعتبار في كل الانشغالات المعرفية المومأ إليها، علما أن كل حقل حاول استغلال هذا الرصيد المتوفر، ثم عمل على ترويضه برسم خدمة أفق انتظار طبيعة الاختصاص.

في ركاب الاعتبارات المذكورة، يمكننا القول إن أطروحة أو دراسة الأستاذ محمد المختار ولد السعد المتعلقة بإمارة الترارزة، جاءت لتتوج مسار تجربة خصبة على جميع المستويات، استغرقت الكثير من الصبر والمجاهدة، وأخذت منه ما يزيد عن 15 سنة؛ وقد أعدها هي الأخرى في سبيل نيل درجة علمية (الدكتوراه في التاريخ) بالجامعة التونسية، ثم أحب أن يضفي على عمله نكهة مغاربية، فعمد إلى نشرها في جزأين بمعهد الدراسات الإفريقية بالرباط عام 2002(7).

الشكل في خدمة المضمون

يقع هذا العمل الضخم في 919صفحة، غير أنه إذا أسقطنا الملحقات، لن يتبقى لنا سوى 752صفحة، قسّمها المؤلف إلى ثلاثة أبواب، استوعب كل منها ثلاثة فصول، باستثناء الباب الأول الذي حوا أربعة فصول، حيث جاء لوحده في 415 صفحة، وبذلك احتل المساحة المخصصة للجزء الأول بأكمله، فيما احتلت الأبواب الثلاثة الأخرى التي تهم مباشرة موضوع الدراسة إضافة للوائح الفهارس، مساحة الجزء الثاني من الكتاب.

والواقع أن المتتبع للدراسات التاريخية الموريتانية، لن تفاجئه استفاضة المؤلف في سبيل التمهيد لموضوع أطروحته بهذا الشكل اللافت، الذي اقتضى أن يفوق حجمه حجم موضوع الدراسة نفسها بنسبة الضعف أو ما يزيد. إذ إن الأمر أصبح عادة جارية وضرورة منهجية درج عليها الباحثون الموريتانيون في مقارباتهم؛ ولولا فعلهم هذا، لانقلب الأمر، وأصبح الهامش يحتل مساحة المتن، شكلا ومضمونا. وفي ذات السياق، نتفهّم اجتهاد المؤلف في إثقال الهوامش بالتعليقات والتوضيحات المطولة والمفيدة.

وإمعانا في خدمة القارئ العربي، الذي يكاد يجهل كل شيء عن هذا القطر العربي المترامي على الشواطئ الأطلنتية، ذيّل المؤلف عمله بمجموعة من الملاحق استغرقت ما يناهز 167 صفحة، شملت فهارس دقيقة ومفصلة، إلى درجة أننا لو جمعناها لشكلت لوحدها موسوعة مصغرة عن تاريخ موريتانيا الأمس. وبموازاة مع ذلك، أتحفنا بلائحة غنية، استعرض فيها مجموع المصادر والمراجع المعتمدة، ثم زاد في إخصابها بأن اقترح على القارئ بعض النماذج المختارة من المصادر المستخدمة.

وإليكم القوائم التي تمّ استعراضها: فهرس الأعلام البشرية والجغرافية، وفهرس المفاهيم والمصطلحات المحلية، وفهرس النباتات المحلية، وفهرس الحروب والثورات، وأخيرا وردت قائمة بأسماء الشركات والدور التجارية الأجنبية بموازاة مع قائمة الجداول والرسوم البيانية أو الخرائطية، التي تم استخدامها في الدراسة. وحتى بالنسبة للرواية الشفوية، التي قلما وظفها، فقد خصّ بعض رجالاتها بفهرس اختتم به لائحة المصادر والمراجع العربية، وبيّن فيه تاريخ اللقاءات والمقابلات.

إن إطلالة خاطفة على الملاحق، تؤكد على مدى أهمية الدراسة، وتشير إلى أننا أمام عمل عزّ نظيره، حيث يظهر أن المجهود المبذول في رصد وتوظيف المواد المصدرية والمرجعية بأنواعها المختلفة، بلغ أقصى درجات التّمكن والإحاطة. على أنه إذا لاحظ القارئ ميل المؤلف إلى الاستعمال المكثف للمقاطع الاستشهادية المصدرية في المتن، خاصة في الجزء الأول، فإن السبب في ذلك يعود أولا لمقتضيات طبيعة العمل التاريخي، وثانيا لتلبية حاجة بيداغوجية، ترمي إلى خدمة القارئ العربي، ودفعه للاستئناس بطبيعة التراث الثقافي الشنقيطي.

الموقع الجغرافي والمحيط البيئي

تقع إمارة الترارزة في أقصى جنوب غرب بلاد شنقيط، أو موريتانيا الأمس بحسب التسمية المفضلة لدى الأستاذ ولد السعد، وبذلك فهي تحتل جزءا هاما من المجال الذي اصطلح الشناقطة على تسميته بـ: القبلة أو بلاد القبلة. وغير خاف، أن مسألة تعيين الحدود السياسية خلال العصر الوسيط أو الحديث، غالبا ما تلفها ضبابية، يصعب معها تحري الدقة. وإذا انتقلنا إلى الفضاء الصحراوي، حيث يترجم العنصر الزمكاني بنقاط الماء، يمكننا تصور الصعوبات الجمة التي نصادفها في هذا السبيل. ودون الخوض في التفاصيل الدقيقة المقترحة بهذا الشأن، يمكننا القول إجمالا، إن إمارة الترارزة (نسبة لتروز بن هداج بن عمران بن عثمان بن مغفر بن أودي بن حسان جدّ المجموعة الحسانية التي بدأت سيطرتها على هذه المنطقة منذ نهاية الثلث الأول من القرن17)، تقع بين نهر السينغال جنوبا وإمارة آدرار شمالا، والمحيط الأطلسي غربا وإمارة البراكنة شرقا. وبحسب الإحداثيات الخرائطية، فإن مجال الإمارة الترابي يمتد، على وجه التقريب، بين خطي عـرض °16 و ‘35 °20 شمالا وخطي طول 14 و16 غربا.

وسيرا على النهج البروديلي في تقديم البحر الأبيض المتوسط، جاء تقديم البيئة الطبيعية لإمارة الترارزة، حيث لم يترك المؤلف جانبا إلا وخاض فيه: البنية الجيولوجية، الفرشاة المائية، طبيعة المناخ السائد، نسبة التساقطات المطرية، ثم دعم هذه المعطيات بإحصائيات ورسوم بيانية موضحة. وفي ذات المسعى، حاول تتبع مسار المجموعات البشرية التي استقرت بالمنطقة منذ عصور موغلة في القدم، مثل المجموعة البشرية التي يطلق عليها اسم بافور، والتي استعصى على المؤرخين تحقيق أصولها وانتمائها.

وغني عن البيان، أن الوقوف على الجوانب الطبيعية، إنما استهدف إبراز العوامل المتحكمة في الأسس المادية لحياة الناس الاقتصادية (الرعي، الزراعة، النشاطات الحرفية، التبادل التجاري الخ) مع رصد مميزاتها على المستوى الضريبي، وانعكاس ذلك على السلوك أو النهج الاقتصادي المحلي، الذي اتخذ ـ بحسب رأي المؤلف ـ صبغة اقتصاد الغزو والمغارم. من ثمة، خلص إلى أن شح الموارد المتوفرة بالصحراء، علاوة على تأثير التقاليد الاجتماعية –القبلية الكابحة، كل ذلك ساهم في بلورة اقتصاد قلّة وكفاف بالمنطقة.

وحين الكلام في الفصل الثالث من الباب الأول عن المجتمع والسلطة السياسية في إمارة الترارزة، توجهت العناية لمقاربة جانبين أساسيين يميزان الحياة الاجتماعية، ويتمثلان: أولا، في التراتبية الصارمة لفئات المجتمع الشنقيطي (حسان، الزوايا، اللّحمة الخ)، وثانيا في الوسائل المعتمدة لدى المجتمع بشأن تحقيق التكافل والتـآزر أمام ضآلة وندرة موارد العيش، وهو الجانب الذي توقف المؤلف عند الكثير من مظاهره في الفصل الأول. وبعدئذ، عرض لبنية النظام السياسي، وهو يريد أن يصل إلى بيان كيف انتهى مسار تطور المجتمع إلى ارتضاء نظام الإمارة أو ما سماه بنظام “القبيلة-الدولة”، وأثناء ذلك عرّج على الجانب الديني والثقافي، حيث أبرز أهم ملامحهما وخصائصهما.

منعطف القرن السابع عشر

تعود قصة زحف قبائل بني هلال وبني سليم إلى منتصف القرن11، حينما غضب الفاطميون على الأغالبة بإفريقية، فسلطوهم عليهم، واستمر الزحف تدريجيا على الضفة الشمالية للصحراء خلال القرون الأربعة اللاحقة، إلى أن بلغوا المحيط الأطلنتي خلال القرن15. ويظهر أن انشغال كل من الموحدين والمرينيين بأمور الأندلس، دفعهم للاستعانة ببعض تلك القبائل العربية في المجهود الحربي، ولكن كذلك فيما يتعلق بتيسير أمن التجارة الصحراوية. بيد أن أهم ما يلفت النظر بهذا الصدد، أن المصادر المعاصرة، خاصة مع شهادات ابن خلدون نهاية القرن14، أنها لم تسجل لنا أية صدامات عسكرية قوية، بين الموحدين والمرينيين وبين القبائل العربية الزاحفة نحو المحيط. عند هذه اللحظة الفاصلة، تمكن المؤلف عبر استغلال جل الإشارات المصدرية العربية منها والإيبيرية، من تتبع زحف القبائل المعقلية وبيان مسار اكتساحها للفضاء الشنقيطي، ثم أوضح كيف أمكنها التغلب على القبائل الصنهاجية (ايزناكن) في معركة حاسمة وقوية دامت عدة سنوات(1671-1678)، واشتهرت باسم حرب شرببّه.

وقبيل اشتعال هذه الحرب الضروس، كانت القبائل الصنهاجية، تعمل على إقامة دولة إمامية، تذكرنا بعض توجهاتها، بنهج الحركة المرابطية خلال القرن11. غير أن الصراع بينها وبين القبائل العربية الحسانية، مما أطلعنا عليه الشيخ محمد اليدالي (1685-1753)، أفشل المشروع السياسي الصنهاجي، فانقلب ميزان القوى السياسي عقب حرب شرببه لصالح القبائل المعقلية من حسان، حيث استحكمت قوتها، ثم سرعان ما انفتح الوضع بالتدريج على ظهور نظام الإمارة كنموذج سياسي بالمنطقة(8).

وعلاوة على هذه التحولات السياسية، ترسّخ في ظل الوضع الجديد، التقسيم الفئوي للمجتمع الشنقيطي، وهو التقسيم الذي استمر سائدا إلى غاية دخول الاستعمار الفرنسي للمنطقة مطلع القرن العشرين. وتبعا لذلك، أصبحت هرمية التشكيل الاجتماعي، تضم عدة فئات، وتخضع لتراتبية صارمة، أهم عناصرها:

* حسان (المحاربون): يحتكرون القوة العسكرية ويمارسون السلطة السياسية.

* الـزوايا (المرابطون): يختصون بالعلم والتعليم والخطط الدينية (الفتوى، القضاء، الإمامة…الخ)؛ واحتكارهم للمعرفة الدينية وفّر لهم سلطة رمزية فاعلة داخل المجتمع، مما أتاح لهم المساهمة في صناعات أخرى مثل التجارة أو حفر الآبار.

* اللحمة أو ازناﮔـة (=صنهاجة): وهم الأتباع أو القبائل الغارمة، يعملون في الأنشطة الاقتصادية المختلفة ومنها الرعي؛ كما أنهم يقومون بخدمة حسان والزوايا مقابل توفير الحماية لهم.

لقد شكل منعطف القرن 17 فترة حاسمة ولحظة مؤسسة في تاريخ موريتانيا الأمس. من ثمة، وجدت اهتماما بالغا من قبل الباحثين الموريتانيين باختلاف تخصصاتهم. ونستحضر بهذا الشأن، تلك المحاولة الرائدة التي قام بها المرحوم الأديب أحمد ولد الحسن قبل حوالي عقدين من الزمن، حين قدّم دراسته القيمة حول الشعر الشنقيطي خلال القرن19(9). إذ على الرغم من عدم الاختصاص، فقد تناول هذه المرحلة بحنكة وحس تاريخي، لا يقلان في شيء عما برهن عليه في هذا الباب، المؤرخ محمد المختار ولد السعد. زد على ذلك، أن الأديب ولد الحسن، كان من أوائل الباحثين، الذين تجرؤوا على تقديم تصور تاريخي ومنهجي في تناول ومقاربة هذه اللحظة المؤسسة، وإليه يعود الفضل في ابتداع الكثير من الاصطلاحات التاريخية، مما بات منتشرا في الدراسات التاريخية العربية، المتعلقة ببلاد شنقيط. ومؤدى القول، فقد لا نجانب الصواب إن صنفنا دراسته، كما الشأن بالنسبة لدراسات ولد السعد، ضمن الأعمال التأسيسية الرائدة للمدرسة التاريخية الموريتانية.

إمارة الترارزة وعلاقاتها التجارية والسياسية مع الفرنسيين

قلنا قبل قليل، إنه بعد استحكام قوة حسان، انفتح الوضع بالتدريج على ظهور نظام الإمارة كنموذج سياسي بالمنطقة. وفي هذا الإطار، برزت مجموعة من الإمارات الحسانية وغيرها في جهات مختلفة من بلاد شنقيط، مثل إمارة الترارزة، وإمارة البراكنة المصاقبة للأولى من جهة الشرق، ثم إمارة آدرار، وإمارة إدوعيش(10). وبحسب المؤلف (ص309-310)، يظهر أن النموذج المخزني بالمغرب الأقصى منذ العهد المريني، شكل العمق التاريخي والحضاري لسكان المنطقة. بل إن ولد السعد حاول رصد خيط رفيع، يؤكد على العلاقة الوطيدة ما بين مختلف التطورات التي عرفتها الصحراء الأطلنتية بالأوضاع في المغرب الأقصى، إن على المستوى الديني والاجتماعي والثقافي أو التجاري والسياسي.

هكذا نجد أنفسنا في الفصل الرابع والأخير من الباب الأول، أمام استعراض سلس لنشأة إمارة الترارزة ومسارها العام، مع الإلحاح على أسماء المؤسسين الأوائل، وأعظم الرجال المساهمين في تطورها مثل الأمير اعلي شنظوره، الذي كانت له رحلة للمغرب الأقصى. وعلى إثر ذلك انتقل المؤلف للحديث عن علاقات الإمارة مع محيطها السياسي المشابه، مثلما الحال مع إمارة البراكنة، وآدرار، وإيدوعيش؛ أو علاقاتها مع محيطها المتمايز، حيث توجهت العناية هنا، للاهتمام بتلك العلاقات التي ربطت إمارة الترارزة مع الممالك والكيانات السياسية السودانية الواقعة جنوب نهر السنغال، مثل مملكة والو أو مملكة كايور أو مملكة اديولوف.

إلى هذا الحد كان بالإمكان الاستمرار في استعراض صيرورة تطور الإمارة بناء على الرصيد المحلي، غير أنه بمجرد ما استقر الرأي على محاولة رصد العلاقات التروزية مع الممالك السودانية خلال القرن17 وما تلاه، حتى برز الشاهد الأوروبي، وأخذ حضوره يتقوى كلما زاد الاهتمام بالسواحل الإفريقية الأطلنتية. من ثمة، انخرطت الدراسة في توضيح حيثيات الحضور الأوروبي على تلك السواحل منذ بدايته على يد البرتغاليين، الذين دشنوا عصر الكشوفات الجغرافية صحبة الإسبان، وإلى حين دخول الفرنسيين والإنجليز بقوة مضمار الحلبة خلال القرن18، مرورا بالهولنديين الذين سيطروا على القرن17. وقد استهدف هذا الاستعراض الدقيق، توضيح طبيعة علاقة الإمارة بذلك الحضور الأوروبي على عدة مستويات، مع إبراز نوايا القوى الأوروبية بشأن الاستحواذ على التجارة مع السواحل الأطلنتية، مما أدى إلى احتدام الصراع فيما بينها.

وعند المقارنة فيما بين التجارة الصحراوية والتجارة الأطلنتية أو التجارة المثلثة بحسب تعبير ولد السعد (ص184)، خلص إلى القول بأن “الصراع بين القافلة والكرافيل لم يكن على الدوام الطابع الغالب على العلاقة بين التجارتين، بل كان هناك نوع من التكامل الواضح من مختلف المعطيات المتوفرة لدينا عن القرن19 على الأقل”. ومعلوم أن المؤرخ البرتغالي كودينهو كان منذ منتصف القرن الماضي، قد رسخ مفهوم التعارض بين التجارة الصحراوية والتجارة الأطلنتية (أو المثلثة). غير أننا بدأنا نلاحظ خلال العقدين الأخيرين ميل جلّ الباحثين للحديث عن التكامل عوض التعارض. ونعتقد، مثلما ألمح إلى ذلك المؤلف، أن السؤال الأساس الذي يمكن أن يشغلنا بهذا الشأن، ليس تأكيد علاقة التكامل أو ترسيخ مبدأ الصراع، وإنما البحث في تدقيق زمنية التحول. وبعبارة أكثر دقة، متى كانت تلك العلاقة مبنية على الصراع، ومتى كانت تميل بنا إلى التكامل.

العلاقات التجارية

عند استعراض لائحة الدراسات العربية، التي اهتمت بتاريخ بلاد شنقيط خلال العقود الثلاثة الأخيرة، نلاحظ أن جلها إن لم نقل كلها، استنفذت كل جهدها في استعراض وتتبع الجوانب السياسية والثقافية أو الفكرية والاجتماعية، إلا أنه قلما سعت لتغطية الجانب الاقتصادي، وخاصة منه مسار المبادلات التجارية. ويمكن القول، إن التفاف المؤلف حول الجانب التجاري، مستهديا بتوجهات مدرسة الحوليات الفرنسية، يمثل تجربة رائدة في هذا المجال، إن على المستوى الموضوعي أو المنهجي. ذلك أن اجتهاده في جمع المعطيات والمعلومات ذات الصلة بالموضوع، ومتابعته لها على الرغم من تفرقها وتقطعها في الزمان والمكان، ثم عمله على ترجمتها إلى رسومات بيانية، كل ذلك أصبغ على تحليلاته رصانة متينة، وأضفى على نتائج دراسته مصداقية معتبرة.

في هذا السياق، يأتي الباب الثاني الذي يحمل عنوان: التجارة والعلاقات التجارية والسياسية التروزية الفرنسية، حيث انشد الاهتمام إلى ثلاث قضايا محورية، كلّ منها استقل بفصل خاص (الفصول 5، 6، 7). هكذا، تعرض الأول منها لأهمية الإمارة في التجارة الأطلنتية من خلال مادة العلك(11) كسلعة أساسية هيمنت على لائحة مواد التبادل التجاري مع الأوروبيين ابتداء من سبعينات القرن18. ويذهب المؤلف بهذا الصدد إلى القول (ص377) :”إن تجارة العلك هي التي وجّهت البيضان [الشناقطة] بشكل لا يقاوم نحو نهر السنغال محور التجارة الأطلسية”. وفي هذا الإقرار ما يشير صراحة إلى ضعف تجارة الرقيق في لائحة الاهتمامات التجارية للشناقطة خلال القرن18 مقارنة مع تجارة العلك وقتئذ. ومؤدى القول، فإن المؤلف بناء على المعطيات التاريخية الموثقة، يعارض توجّه المؤرخ الغيني الأصل، بُـبَـكر باري (B. Barry)، ويدحض الرأي القائل بأن الشناقطة كان لهم دور فاعل في تجارة الرقيق حينئذ، كما أنه ينفي أن تكون النخاسة قد احتلت أهمية قصوى في الاهتمامات التجارية لأهل المنطقة، خاصة عند محطات التبادل التجاري النهرية.

وأما المحور الثاني فقد انتقل بنا لمعالجة وجهة نظر الفرنسيين والوسائل المعتمدة لديهم سواء منها السياسية أو الاقتصادية برسم فرض وترسيخ وجودهم التجاري بالمنطقة. وههنا، يطرح الموقع الجغرافي للإمارة خاصة على حدودها المائية، مشكلا جوهريا، له علاقة وثيقة بالتقاليد المحلية. ذلك أن تعامل الشناقطة مع الأوروبيين خلال القرن18، كان يتم أساسا عبر كيانين مائيين: المحيط الأطلنتي من جهة الغرب، ونهر السنغال الذي يحد إمارة الترارزة من جهة الجنوب؛ فمن خلال هاتين النافذتين، كان يطل الفرنسيون وغيرهم من الأوروبيين على بلاد شنقيط. والعارف بحياة بدو الصحراء الأطلنتية، لا يسعه في ظل هذه المعطيات المقرّرة، إلا أن يستحضر بالضرورة طبيعة علاقة القبائل الصحراوية بالمحيط والنهر أو الكيانات المائية؛ إذ يستفاد من المواد المصدرية المختلفة، أن تلك العلاقة تميزت بالجفاء على امتداد حقب التاريخ البعيد والقريب، باستثناء بعض الحالات الخاصة (قبيل إيمراﮔـن الذي يمثل المجموعة البيضانية الوحيدة التي امتهنت الصيد البحري)(12).

انطلاقا من هذا المنظار، انخرط الفصل السادس في احتواء هذه الإشكالية، وتوضيح إكراهات الحضور الفرنسي خاصة من جهة نهر السنغال، وكيف أثر ذلك على التطلعات السياسية والاقتصادية لحكّام إمارة الترارزة. ثم سرعان ما وجدنا أنفسنا نلج القرن19 لنصطدم بصيرورة تطور النظام الرأسمالي الأوروبي، وما واكب ذلك من تحولات، أفضت إلى سياسات التوسع الترابي المفضية بدورها إلى بلورة ظاهرة الاستعمار.

وبالاستناد إلى ما تقدم من الحيثيات، توقف المؤلف عند المرحلة الممتدة من1817 إلى1860، بغرض رصد تطور السياسة الفرنسية على المستوى الميداني، فأوضح بالتفصيل كيف تطورت بالتدريج السياسة الفرنسية من مرحلة احتكار المبادلات التجارية (مما فرض منافسة قوية مع القوى الأوروبية الأخرى خاصة مع إنجلترا)، إلى مرحلة الهيمنة ذات النزعة الاستعمارية.

وبحكم قدم الاستعمار الفرنسي للسنغال، فقد اتخذ الساسة الفرنسيون من مدينة سان لويس [=آكميني] التي توجد عند مصب نهر السنغال، قاعدة ومنطلق العمليات التجارية والسياسية التي استهدفت المجال الشنقيطي، ثم باعتبار العلاقات التجارية فيما بين الإمارة التروزية والممالك السودانية عبر محطات التبادل التجاري الواقعة على نهر السينغال، فقد مال بنا الموضوع لتغطية طبيعة الحضور الفرنسي بالسنغال والأقاليم المجاورة له، وانتهى عند شخصية الحاكم الفرنسي فيديرب، الذي يعتبر مهندس الاستعمار الفرنسي بالسنغال؛ وبعدئذ، أحاط المؤلف بالتبعات السلبية لنتائج سياسة فيديرب على إمارة الترارزة. وفي التفاتة جديرة بالتأمل، لم يغفل الأستاذ ولد السعد بهذا الصدد، إبراز بعض الجوانب الإيجابية في علاقة المجتمع الشنقيطي بالأوربيين، ومنها اقتناء الورق والسلاح الناري، أو تخصص أسر بعينها في الوساطة التجارية مثل أسرة آل العالم. لكن مجموع مظاهر الاستفادة كانت محدودة جدا، باعتبار تحكم نسق البداوة في حياة الناس.

واللافت للنظر في تناول ومقاربة المؤلف لصراع الترارزة مع الفرنسيين المستقرين في مستعمرة السنغال، خاصة خلال العقدين الرابع والخامس من القرن19، أنه لم ينبس ولو بكلمة واحدة عن الحركة الجهادية التي قادها الحاج عمر الفوتي (ت.1864) ضد سياسة التوسع الفرنسية، علما أن تأثيراتها لم تكن بالهينة على أوضاع المنطقة برمتها. زد على ذلك، أن الحاج عمر كانت له رحلة علمية مشهورة إلى بلاد شنقيط(13).

ونحن على يقين من أن ولد السعد على دراية تامة بالقصة وأبعادها المختلفة، لكننا لا نفهم أسباب هذا التجاهل، اللهم إذا أدرجناه ضمن السياق العام للدراسة، حيث وقع التركيز على علاقة إمارة الترارزة بضفاف النهر والمحيط، وذلك على حساب علاقتها بالمناطق الداخلية. حقيقة إن ولد السعد، كان يحتكم إلى مقتضيات عنوان الدراسة، غير أن النزعات الذاتية غير خافية على المتتبع لخلفيات الصراع والتنافس الذي احتدم بين موريتانيا والسنغال مطلع العقد الأخير من القرن الماضي! ومثل هذا الأمر لم نعهده في دراساته.

وإذا اعتبرنا ـتجاوزاـ البابين الأولين تمهيدا في الإحاطة بالخريطة التاريخية والجغرافية لموضوع الأطروحة: إمارة الترارزة، فإن الباب الثالث والأخير، يكاد يمثل صلب موضوع الدراسة، حيث يجيب بشكل مباشر على مقاصد عنوانها. من ثمة، وعلى امتداد ثلاثة فصول، أفرغ ولد السعد كل جهده في رصد مجمل مظاهر التحولات التي عرفتها الإمارة إلى نهاية الثلث الثاني من القرن19. وقد ركز في هذا الباب على الجانب الاقتصادي (بما فيه ميكانيزمات الضرائب العرفية)، وتأثيراته على المستوى السياسي والثقافي، مع الإشارة إلى الحيثيات الداخلية، ثم الخارجية المرتبطة أساسا بالتوسع الفرنسي، والتي كان لها الأثر الحاسم في رسم صيرورة تطور النظام الأميري التروزي على جميع المستويات. وهو تطور تأثر بفعل العديد من العوامل، ولم يكتب له النجاح في ترسيخ نظام سياسي قادر على مواجهة التحديات المختلفة؛ ذلك أن “النقص في مصادر العيش في مجتمع رعوي يعتبر اقتصاده اقتصاد قلّة، يشجع اللجوء إلى حملات السلب والنهب لتحصيل بلغة العيش، ويغذي أعمالا انقسامية نابذة لمَركَز السلطة ووحدة القائمين عليها. وبذا تكون الحرب سمة بنيوية أساسية من بنيات الإمارة الاقتصادية والسياسية، ومظهرا من مظاهر إديولوجية الشرف الحسانية الناظمة لتصورات الناس ومواقعهم الاجتماعية في جهاز السلطة الأميرية”.

ويجمل ولد السعد في عبارة جامعة مانعة أسباب تلك الأزمة (ص749) في :”وهن البنية السياسية القبلية، وغياب قواعد ناظمة لتداول السلطة الأميرية، وسيادة روح الثأر، والافتقار إلى المشروعية الدينية [لحسان]، وشحّ موارد العيش وهشاشة اقتصاد الغزو، وتعارض نسق القيّـم الحسّانية مع اقتناء الثروة وادخارها، والصراع مع الجيران، وسياسة فرق تسد الفرنسية”. ومن حق القارئ ـ يضيف المؤلف ـ أن يتساءل عن أي هذه الأسباب أبلغ أثرا وأقوى وأقوم قيلا في تلك الأزمة. ونخال أن العوامل البنيوية الداخلية الآنف ذكرها كفيلة بإحداث تلك الأزمة، إلا أن المؤثرات الخارجية قد أطالت أمدها وزادت أوارها.

وتنتهي الأطروحة بخلاصة تاريخية دقيقة، تفتح الباب على مصراعيه، للتـأمل في علاقة ظاهرة الاستعمار بالتخـلف، الذي تعاني منه اليوم الكثير من دول إفريقيا الغربية وغيرها، ومما جاء فيها :”بقدر ما حالت التجارة الأطلسية دون انتقال الممالك الساحلية الولفية في مصب نهر السنغال من طور التجزئة والتشرذم إلى طور التوحد والمركزة بفعل لعبة التأجج الدائمة وسياسة فرق تسد (كما يقول ببكر باري)؛ فقد أعاق التغلغل الاقتصادي والسياسي الفرنسي تطور الترارزة السياسي، وحدّ من هامش مناورات الأمراء ومن استقلالهم الذاتي جراء الهدايا والاتفاقيات اللامتكافئة، وصدّع بنيتهم السياسية الأميرية الهشة”.

لقد سعينا في هذه القراءة الخاطفة، الإحاطة ببعض الخلاصات التي انتهى إليها محمد المختار ولد السعد، وغرضنا إغراء القارئ العربي وغيره، للإفادة من هذا العمل الفذّ، الذي يحقق متعة أدبية وعلمية في ذات الوقت. وهو ذات الأمر، الذي استوقف الأستاذ المشرف محمد الهادي الشريف، حيث جاء في تقديمه للأطروحة(ص10) :”وأثمن، في مستوى آخر، الأسلوب المتميز الذي حرّرت به هذه الرسالة واللغة العربية التي تنهل من مخزون عريق محتفظ به في البراري النائية الموريتانية والتي تنفتح، في الآن ذاته، على المفاهيم السوسيولوجية والأنتروبولوجية العصرية”.

والواقع أنه على امتداد أكثر من تسعمائة صفحة، تناولت الدراسة الكثير من القضايا الهامة، مما تضيق به مساحة هذه الوريقات استعراضا، فأحرى مناقشة. غير أن الذي شدّنا في هذا العمل الجبار، ذلك التوجه المقصود للمؤلف (إلا فيما ندر) في الاعتماد على معطيات الثقافة العالمة في رصد صيرورة تطور المجتمع الشنقيطي، وخاصة إمارة الترارزة موضوع الدراسة. وتبعا لذلك، نلاحظ تهميشا لكل ما يمت بصلة لمعطيات الثقافة الشفاهية أو الثقافة الشعبية، علما أن تراب البيضان أو بلاد شنقيط، تمثل على امتداد حقب تاريخها القريب والبعيد، فضاء للثقافة الشفاهية بامتياز.

فهل يمكن أن ننتظر في الأمد المنظور، من زميلنا محمد المختار ولد السعد التفاتة بهذا الشأن، خاصة وأنه في إحدى أكثر اللحظات إشراقا ووجدانية في أطروحته (ص276)، نجده يقول :”وتمتاز هذه الثقافة الناطقة باللغة العامية، بتعبيرها عن أحاسيس الناس من أفراح وأتراح، وشفويتها المتوارثة جيلا عن جيل، وعدم ضبط وقائعها في الزمن ورمزيتها النابعة من بيئتها المحلية، واتحاد العامة والخاصة في تعاطيها…”. وماذا يمكن أن يهم الباحث في التاريخ سوى أحاسيس الناس من أفراح وأتراح، إذ غالبا ما تشكل المادة النووية لصناعة حوادث الدهر!

الهوامش:

(1)- الناني ولد الحسين، صحراء الملثمين، بيروت، دار المدار الإسلامي، 2007. وللتذكير، فإن هذه الدراسة كان قد هيأها الباحث المذكور قبل حوالي 15 سنة، بكلية الآداب جامعة محمد الخامس /الرباط، برسم نيل دبلوم الدراسات العليا، تحت إشراف المرحوم محمد حجي.

(2)- غير خاف أن مسألة طلب النسب العربي أو انتحاله، أصبحت ظاهرة عامة لدى القبائل الصنهاجية عند نهاية القرن17، غير أن هناك بعض الحالات الاستثنائية، نذكر منها قبيل تندغة، الذي يعدّ من أقدم وأهم قبائل زوايا القبلة، حيث ظل معتزا بنسبه اللمتوني، كما حافظ على مقوّماته الثقافية بما فيها لغة صنهاجة ( أو كلام ازناگ). انظر :الشيخ محمد اليدالي، نصوص من التاريخ الموريتاني، شيم الزوايا، أمر الولي ناصر الدين، رسالة النصيحة، تونس، بيت الحكمة 1990. تقديم وتحقيق: محمذن ولد بابّاه. ص 73، هامش 35.

(3)- شكل الرصيد المصدري الأوربي مصدرا مغريا لعدد من الباحثين الموريتانيين، حيث اتخذ منه البعض مادة أساسية في رسم تاريخ موريتانيا. انظر: محمدو بن محمذن، المجتمع البيضاني في القرن التاسع عشر (قراءة في الرحلات الاستكشافية الفرنسية)، الرباط، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، 2000.

(4)- يبدو أن هذا التجاهل، قد استفز بشكل جدي البحاثة الموريتاني المرحوم أحمد ولد الحسن (ت. 2001)، حيث أعد عام 1987 دراسة شيقة وممتعة عن الشعر الشنقيطي خلال القرن19، دعا من خلالها إلى إعادة النظر في التحقيبات المرتبطة بالأدب العربي. ومما يدفع به ولد الحسن في دعم وإسناد رأيه، أنه حينما كانت الثقافة العربية في جل البلاد العربية الإسلامية تعاني من تدهور وتراجع بيّنين خلال القرنين18 و19، كانت بلاد شنقيط وقتئذ تعرف نهضة ثقافية ثـرّة ومتميّزة، وبذلك لا يمكن بأي حال أن يندرج الإنتاج الشنقيطي خلال الفترة المعنية ضمن التحقيبات الكلاسيكية المتداولة لدى المختصين في النقد الأدبي العربي. والباحث أصلا أديب مختص في النقد الأدبي نثرا وشعرا، بيد أنه أمام النقص الفادح في الدراسات الأكاديمية عن تاريخ بلاد شنقيط، وجد نفسه مضطرا للتمهيد لعمله بفصول مطولة عن الموضوع، اكتست طابعا تاريخيا محضا؛ فنبه القارئ لذلك في المدخل (ص31)، ثم أخذ في تفسير موقفه قائلا :”إنه لو كان الشعر الذي ندرسه جزءا من تراث الأقطار العربية المعروف إلى حد مقبول تاريخيا، لكان هذا المدخل التاريخي أخف مما هو عليه بكثير، بل لعله يعدم أصلا، ولكن ما نعلمه من انعدام الدراسات العربية حول تاريخ هذا البلد [شنقيط] قد اسْتَكْرهَنَا على أن نرتدي ثوب المؤرخ، وهو ثوب إن ارتداه دارس الأدب اليوم فمكره لا بطل”. وعلى الرغم من عدم الاختصاص، فقد برهن الباحث على كفاءة عزّ نظيرها في مجال البحث التاريخي. انظر :أحمد ولد الحسن، الشعر الشنقيطي في القرن الثالث عشر الهجري: مساهمة في وصف الأساليب، طرابلس، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، 1995. وأصل هذا العمل أطروحة جامعية، أعدت برسم نيل شهادة دكتوراه الدولة في الأدب العربي، جامعة تونس، تمت مناقشتها يوم 27/2/1987.

(5)- محمد المختار بن السعد، شرببه أو أزمة القرن 17 في الجنوب الغربي الموريتاني، المعهد الموريتاني للبحث العلمي، نواكشوط، 1994.

(6)- محمد المختار ولد السعد، الفتاوى والتاريخ: دراسة لمظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية في موريتانيا من خلال فقه النوازل، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 2000.

(7)- محمد المختار ولد السعد، إمارة الترارزة وعلاقتها التجارية والسياسية مع الفرنسيين من 1703 إلى 1860. الرباط، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، 2002. وفضلا عن إنجازاته في ميدان التأليف والإشراف العلمي، انشغل صاحبنا بالتدريس في الجامعة الموريتانية، فيما بين عامي 1985-2004، كما تولى رئاسة قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية خلال الفترة المتراوحة ما بين عامي 1986-1993، وأسس بها مخبر البحوث والدراسات التاريخية خلال الفترة 1991-1993.

(8)- تعد الدراسة التي أنجزها الباحث ولد السعد من أهم الأعمال التي تناولت حرب شـُرْ بُـبُّـه بحيثياتها وتبعاتها. وقد نشرها بعد أن نقّحها عام 1994 في حوالي 200 صفحة. ويمكن للمهتم أن يتابع كلام نفس الباحث عن هذه المرحلة الهامة من تاريخ موريتانيا الأمس في أعماله المتأخرة، حيث أخذ في إرفاد جوانب القضية بتوضيحات دقـيقـة. انظر: محمد المختار ولد السعد،حـرب شُرْ بُـبُّـه أو أزمة القرن 17 في الجنوب الغربي الموريتانيين، مرجع سابق. ويراجع: الفتاوى والتاريخ، م.س، ص 112-118. إمارة الترارزة، ص 21، 221-227. وللاستزادة حول الموضوع، انظر: أحمد جمال ولد الحسن، حركة الإمام ناصر الدين ومنزلتها من تاريخ الإسلام في غرب إفريقيا، حوليات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، العدد الأول، جامعة نواكشوط 1989. ص 5-33.

(9)- أحمد ولد الحسن، الشعر الشنقيطي في القرن الثالث عشر الهجري: مساهمة في وصف الأساليب، طرابلس، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية 1995. ويراجع ما جاء في هامش رقم 4.

(10)- إمارة إيدوعيش: بدأت في النصف الثاني من القرن18 في منطقة تـﮔـانت ويرجع النسّابون المجموعة المكونة لهذه الإمارة إلى أصول صنهاجية (لمتونة) ولهذا يعتبر إيدوعيش ـ أحفاد المرابطين ـ المجموعة غير الحسانية الوحيدة التي تمكنت من تأسيس إمارة على نمط الامارات الحسانية. انظر: محمدو بن محمذن، المجتمع البيضاني في القرن التاسع عشر، مرجع سابق، ص 272-277. وتجب الإشارة إلى أن التحالفات التي كانت تقوم بين هذه المجموعات في فترات مختلفة، سرعان ما كانت تنهار بفعل عدة عوامل، منها تحكم روح الثأر السائدة لدى بدو الصحراء، أو سياسة فرنسا في إشعال الفتنة بينها(سياسة فرق تسد) أو غير ذلك من العوامل مما سنقف عليه في خلاصة المؤلف.

(11)- هو كل صمغ يعلك، ويجمع على علوك وأعلاك. ويعني في دلالته المحلية الصمغ العربي الذي تنتجه إفرازات أشجار القتاد المنتشرة بكثرة في الجزء الجنوبي من البلاد في موازاة النهر، وتتركز كثافته في منطقة الترارزة. وإذا كان العلك معروفا منذ القدم، فإن الطلب عليه قد اشتد كثيرا في أوروبا الثورة الصناعية، حيث استخدم كلصاق كما استعمل في صناعة الورق والحلويات والنسيج، فضلا عن استعمالاته المفيدة في بعض المواد الصيدلانية. وبالنظر لقيمته هاته، احتدم الصراع بين كبريات الدول الصناعية للاستئثار بتجارته المربحة، وشكل مصدر عيش وسبيل رخاء وتراكم ثروة وجاه لباعته المحليين. انظر: إمارة الترارزة، ص 416-420، ومعجم المصطلحات المحلية، ص 760.

(12)- لعل من المؤشرات الدالة على هذا الجفاء، أن أهل الصحراء الأطلنتية كانوا وما يزال الكثير من شيوخهم يعيبون أكل السمك والثمار البحرية. صحيح أن العادات الغذائية خلال العقدين الأخيرين قد تطورت مع الجيل الجديد، لكن الظاهرة المذكورة بحسب نمط العيش المشهور بينهم، كانت سائدة طيلة الألف الثانية للميلاد. والمؤشر الثاني الذي يمكن الاستدلال به على هذه الحالة، يتمثل في المسح التاريخي للشيخ محمد اليدالي(1685-1753)، وهو من أبناء منطقة القبلة، حيث لا نجد عنده ولو إشارة واحدة للأوروبيين، علما أنهم كانوا وقتئذ يتطلعون ويتدافعون على سواحل القبلة إن من جهة المحيط الأطلنتي أو من جهة نهر السنغال عبر محطات التبادل التجاري. انظر: الشيخ محمد اليدالي، نصوص من التاريخ الموريتاني: شيم الزوايا، أمر الولي ناصر الدين، رسالة النصيحة، مرجع سابق. ولد السعد، إمارة الترارزة، ص 145، 215-218. محمدو بن محمذن،المجتمع البيضاني في القرن19، م. س، ص 319-324، 369-371. أحمد الشكري، الشهادات السودانية ونزعات تمثلها للتاريخ المحلي إلى غاية القرن18 (نموذج بلاد السودان: إفريقيا الغربية) دكتوراه الدولة في الآداب، تخصص تاريخ، جامعة محمد الخامس/أكدال- الرباط 2006 (مرقونة). ص 139-140.

(13)- انظر: أحمد ولد الحسن، الحاج عمر الفوتي وبلاد شنقيط، زغوان/ تونس، منشورات مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، 1977، ص30-38. وينظر لنفس المؤلف: الحاج عمر الفوتي والمدرسة التجانية في تشيت، الرباط، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، 2001، ص 67-109؛ أحمد الأزمي، الطريقة التجانية في المغرب والسودان الغربي خلال القرن19. الرباط، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2000. ج.3، الباب 5، ص 185-345؛ خالد شكراوي، الإسلام والسلطة في السودان الغربي في القرن19، دكتوراه الدولة في الآداب، تخصص تاريخ، جامعة محمد الخامس/أكدال- الرباط، 2002 (مرقونة)، ص 112-130، 182-190.

- أحمد الشكري

138

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*