أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ، تحت إشراف الأستاذين حسن حافظي علوي ولطفي بوشنتوف. نوقشت بكلية الآداب والعلوم والإنسانية بالرباط، بتاريخ 18 أبريل 2024.
يشكل البحث محاولة لكشف النقاب عن نظام الجباية ببلاد المغرب في العصر الوسيط، من خلال عرض أنواع الضرائب بالمغرب من الفتح إلى نهاية العصر الوسيط، سواء الشرعية منها أو غير الشرعية، مع رصد التطور الحاصل في الجباية من تزايد أعدادها، أو اٍرتفاع قيمتها أو انخفاضها، وكذا الخيوط الناظمة المحددة لهذا التطور.
من جانب آخر سعى البحث لتحديد الجهاز الإداري المكلف بالجباية، واستعراض الطرق والوسائل المستخدمة في تحصيل الجباية عبر تتبع استخدام الصيغ المباشرة وغير المباشرة. ومن الطبيعي أن يكون للسياسة الجبائية انعكاسات وآثار على الأوضاع السياسية والاجتماعية، وهكذا تم رصد موقف المجتمع من الجباية، عبر تتبع بعض مواقف الفقهاء والمتصوفة، من جهة، والعامة من جهة ثانية، كما تم استعراض المحاولات الإصلاحية الرسمية في ظل السلط القائمة ببلاد المغرب في العصر الوسيط، أو التي تزعمها الفقهاء والمتصوفة، وحدود نجاحها.
ولتناول الموضوع، استفاد البحث من أصناف مصدرية مختلفة القيمة والطبيعة؛ مثل كتب الفقه والأموال والخراج والآداب السلطانية، والنوازل والحسبة، والجغرافيا والرحلات والبلدان، والتراجم والمناقب، والحوليات التاريخية وغيرها…وفضلا عن المادة المصدرية التي تم استغلالها بشكل مكثف في فصول هذا البحث ومباحثه تم توسيع مجال الاطلاع ليشمل العديد من الدراسات المعاصرة من مختلف التخصصات العلمية.
انتهت الدراسة لمجموعة من الخلاصات بعد تفكيك نظام الجباية ببلاد المغرب في العصر الوسيط أهمها:
1- اتضحت أهمية المصطلحات الجبائية ودورها في ترميم حلقات تاريخ المغرب في العصر الوسيط، فتعدد التسميات دَلَّ على تعدد المعاني والدلالات، كما بَيَّنَ الرغبة الأكيدة للسلطة في استحداث ضرائب جديدة وتنظيم جبايتها عبر أجهزة وموظفين تابعين لها. من جهة أخرى، وبتتبع المصطلحات الجبائية، ظهر جليا خضوعها لمنطق التطور والتغيير. فمصطلحات مثل الخراج والخرص، والإنزال، والنايبة والضيافة والخفارة، وبيت المال وديوان الجباية ودار الإشراف، وصاحب الأشغال والمشرف… لم تظل جامدة بل عرفت تغيراً في معناها ودلالتها عندما جالت في هذه المنطقة خلال العصر الوسيط. كما لوحظ حدوث تلاقح حضاري، شمل انتقال المصطلحات الجبائية من المجالات الجغرافية المجاورة إلى بلاد المغرب،
2- علاوة على ذلك أبانت الدراسة أن هذا الحجم الكبير من الضرائب الذي ساد خلال هذه الفترة، كَرَّسَ أسلوب السلطة المتعسف، وذلك عبر مساهمتها بشكل سلبي في عدم خَلْقِ فرص المنافسة وحافز الربح أمام المنتجين، والعمل على تكبيل النشاط الفلاحي والحرفي والتجاري بأنواع لا حصر لها من الرسوم والمكوس،
3- شكلت الجباية المجال الحيوي الذي أولته السلطة اهتمامات خاصة، وذلك بهدف توفير الأموال الضرورية للنهوض بأعباء الدولة، كما أنها شكلت على الواجهة الاجتماعية والسياسية بؤرة للتصادم بين السلطة، وباقي مكونات المجتمع. فإذا كان سواد عامة الناس يختزل المستحقات الجبائية في الأصناف الضريبية التي يقررها الشرع الإسلامي، ويرفض كل ما زاد عنها، فإن الدولة التي كانت أكثر ارتباطا بما يجري في الواقع العملي، تعتبر أن الاعتماد على الضرائب الشرعية وحدها لن يوفر أبدا ما تحتاجه الدولة من نفقات. وقد وقف البحث على هذا التعارض في الرؤى، تكفي الإشارة إلى موقف الرعية معززة بآراء الفقهاء من ضريبة المعونة أو التعتيب أو القبالة أو الرتب، حتى أن بعض الفقهاء أصبحوا يسمون الضرائب بالمحدثات والمظالم الجائرة والخراج الظلم والمناكر.
إن عدم إيجاد حل لهذه المعضلة، يجد تفسيره ضمن إطار البنية الذهنية والاجتماعية للسكان التي كان يحكمها باستمرار منطق الاستناد إلى المفاهيم الدينية والنظرية للشرع الإسلامي، أكثر مما كان يحكمها منطق الاستناد إلى المتغيرات التاريخية، والتحديات الحضارية التي كانت تفرض على الدولة ضرورة استحداث أنماط جبائية لا تتوافق من حيث طبيعتها النوعية مع الأنماط الجبائية الشرعية، إلا على مستويات جزئية ومحدودة في الغالب.
4- لم تكن الجباية مجرد وسيلة للحصول على الأموال، بل شكلت ممرا واسعا لتمرير جملة هامة من الرموز والتصورات، وتنفيذ أدوار رمزية لا تقل أهمية عن الدور المباشر للجيش والسلاح، أبرزها إظهار سلطة الدولة في المجال، في جانب يتميز بالمقاومة المستمرة للسكان، وهنا رصدنا دور الجيش في هذه العملية عبر القيام بحملات وحركات لجباية الضرائب، وهو ما وقف البحث عليه عند جل دول مغرب العصر الوسيط، كما تتردَّدُ عبارات أثيرة في المصادر وبالضبط عند ابن خلدون تعبر عن هذا المعنى مثل “ساسهم للجباية” أو “القبائل الغارمة”. كما سجل البحث كذلك أن رفض السكان أو القبائل لدفع الجباية هو مؤشر على ضعف السلطة وانخرام مركزية الدولة.
5- أبانت الدراسة أن تطور الجباية مرتبط بعوامل متعددة؛ فوضعية الأرض القانونية غير المحسومة من قبل الفقهاء والسلطة، انعكست بشكل كبير على هذا التطور. كما أن الأوضاع السياسية والأمنية من استقطاب سياسي وحروب وغصب وتعدي، طبعت نظام الجباية في بلاد المغرب خلال هذه المرحلة. تضاف إلى ذلك العوامل المذهبية والإيديولوجية، التي تداخلت مع العوامل السابقة واللاحقة في التأثير على الجباية. من جهة أخرى، استنزفت العوامل الطبيعية قدرات الدولة والسكان على حد سواء، وأثرت على تطور الجباية، وإذا كان ازدهار التجارة الداخلية والخارجية على الخصوص، أنعش المداخيل الجبائية لدول بلاد المغرب في العصر الوسيط، فإن تراجع المبادلات التجارية الناتج عن ظروف معينة أدى إلى تراجع المداخيل، وبالتالي التأثير على المداخيل الجبائية.
6- وجهت الضريبة الحدث السياسي منذ المراحل الأولى لبعض الدول المغربية في العصر الوسيط، كالفاطميين والمرابطين والموحدين، فكان أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي رافق ميلاد هذه الدول، لا يكتسي بعدا دينيا صرفا، بقدر ما كان وسيلة للتدخل في شؤون السلطة الحاكمة عبر إسقاط المكوس والمغارم. وخلال جميع مراحل الدولة، كان لأسلوب إسقاط المغارم دور في كسب مشروعية الحكم، وأي تحول عن هذا المسار كان يعني تصدع السلطة وبداية انخرام مقومات وجودها.
وفيما يخص موقف المجتمع من الجباية، أمكن تأطير ذلك في موقف الفقهاء والمتصوفة من الضرائب المستحدثة، حيث ظهر تعارض واضح بين سياسات السلطة في مجال الجباية وموقف النخبة العالمة من ذلك، اكتسى في بعض الحالات طابع المواجهة لمعانقة آمال وطموحات الشرائح المقهورة. موقف المجتمع لم يقتصر على الفقهاء والمتصوفة فحسب، بل تعداه إلى مختلف الشرائح الاجتماعية، وهذا ما تبين مع بعض الثورات التي غطت جميع مراحل الدول الوسيطية، وحاولت أن تضفي عليها مسوحا عدة بهدف شرعنة وجودها، غير أن اللبوس الضريبي كان ذا أثر كبير في إذكاء نارها وأوراها. هذه الثورات كانت موشومة برفض أسلوب اليد الثقيلة للدولة.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه