
تطرح هذه الدراسة إشكالية توظيف التاريخفي الكتابة الروائية، من خلال نموذجين روائيين للكاتب الفرنسي جلبيرسينويه، يتناولان تطورات الأحداث في مغرب القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهما: جزيرة الغروب (2021، غاليمار، 2022، دار الجمل) ومنقار البطة (غاليمار2023، دار الجمل2024). ستسعى الدراسة إلى بسط تمظهرات الحدث التاريخي في هاتين الروايتين من خلال المقارنة بين السرديتين التاريخيتين المغربية والأوربية، الفرنسية بصورة خاصة، بغية معرفة مدى انعكاس روح التاريخ وأحداثه وشخصياته ورواياته في الكتابة التخييلية المعاصرة من جهة، وقدرة الرواية على مساءلة “حقائق” التاريخ وإعادة بنائه، في محاولة لخلق عوالم موازية له أو بديلة عنه، من جهة ثانية. كما ستروم تبيان حدود تداخل التخييلي والتاريخي أثناء محاولة إعادة تشكيل الحدث التاريخي انطلاقا من السرديتين المذكورتين، ومدى نجاح الكاتب في تقديم رؤيةأوسع إلى الدولة والمجتمع المغربيين قبل الاحتلال الفرنسي. وستسائل أخيرا الأسس الفنية والجمالية، بوصفها مقوما رئيسا في الكتابة الروائية؛ أي في قدرة الروايتين موضوع هذه الدراسة على إنتاج أثر أدبي من شأنه أن يولّد قراءات وتأويلات نقدية متعددة للمرحلة التاريخية التي تعالجانها.
مقدمة:
يطرح مفهوم “الرواية التاريخية” التباسات كثيرة، بسبب غموض معناه/معانيه وتداخله مع مفاهيم من الجنس نفسه، في مقدمتها “السرد التاريخي” و”التخييل التاريخي”. وهذه المشكلة ناتجة عن أمرين: أولهما طبيعة النتاج الروائي الذي يجعل من أحداث التاريخ وشخصياته موضوعا للكتابة الروائية، إذ تتباين نقاط انطلاق الكتابة ومواقفها من رواية إلى أخرى، بين موقف يقول بضرورة التشبث بحرفية التاريخ، مع إخضاعه لقوانين السرد، وموقف يرفض نقل التاريخ كما هو، ويدعو إلى إدخال التخييل في مفاصله وثناياه؛ ومن ثمة، جعله مجرد ذريعة للكتابة الروائية، لا غاية لها. أما الثاني، فهو نتاج طبيعة النظرية والممارسة النقدية والتباس مفاهيمهما وآلياتهما الإجرائية[1]. ذلك أن الممارسة النقدية، بمرجعياتها النظرية المختلفة، كرست هذا الالتباس بين عودة التاريخي بوصفه حدثا حكائيافي الكتابة الروائية، وبين بناء التخييل في هذه الكتابة باستثمار التاريخ بما هو مجرد غطاء للسرد أو الحكي.
من هذا المنطلق، تعي هذه المساهمة الحدود بين الأمرين في هذه الدراسة التي ستنكب على روايتي الكاتب الفرنسي جلبير سينويه جزيرة الغروب ومنقار البطة[2]، وهي تحاول استجلاء توظيف التاريخ في هاتين الروايتين اللتين تعتمدان مصدرين تاريخيين أساسيين، يكادان يتباينان من حيث مرجعياتهما الفكرية وإرثهما المعرفي وضوابطهما ومعالجاتهما وغاياتهما. هذان المصدران هما السرديات الكولونيالية والسرديات الوطنية/المحلية حول المغرب، بما هو موضوع الروايتين. يتشابك هذان المصدران، عبر قوالب وآليات حكائية وشخصيات، ليس فقط لتأثيث أحداث الرواية، بل لاستعادة الحدث التاريخي وإعادة صياغته وفق مجرياته الواقعية وضمن إطاره الزمني الكرونولوجي (أي إطاره التاريخي/الواقعي)، أو وفق تجريب روائي خاص (وهو إطار تخييلي). هكذا، تفترض هذه الدراسة أن توظيف هذين المصدرين، بسردياتهما المتنوعة والمختلفة، ينم عن تعددية التاريخ؛ ومن ثمة، عن إمكانية تعددية التخييل أثناء الكتابة الروائية.
قبل تحليل تمظهرات هذين المصدرين في الروايتين المذكورتين، لا بد من الوقوف عند مفهومي التاريخ والرواية والصلات الأدبية الممكنة بينهما، التي تنعكس من خلال مركب “الرواية التاريخية”.
- التاريخ والرواية:
يعكس مفهوما التاريخ والرواية تعريفات معقدة ومتداخلة، وملتبسة في بعض الأحيان. لنبدأ بالمفهوم الأول. ينطوي التاريخ على تحديدات متعددة، تمتد من وصفه شهادة أو رواية أو وثيقة حول الماضي، تسرد أخبار الدول والمجتمعات السابقة أو الراهنة، إلى النظر إليه بما هو علم أو فن أو دراسة تستند إلى مناهج دقيقة غايتها تأويل الوقائع ومبادئها وأسبابها ونتائجها. يَعُدُّ هذا التعريفُ الخلدوني التاريخَ، انطلاقا من هذا المنظور، “فنا عزيز المذهب،” لأنه يقف على أحوال الأمم السابقة وأخلاقها، وعلى سير الأنبياء والملوك والأبطال وسياساتهم ودولهم، ولأنه يسعى إلى مقارنة أصول الأحداث ومطابقتها مع الواقع، في محاولة لكشف المغالطات واستجلاء الحقائق (ابن خلدون، 2004:93). وعلى النحو ذاته، يستشكل عبد الله العروي مفهوم التاريخ، مفندا مقولة أنه “مجموع أحداث الماضي،” إذ يوضح أنه لا يمثل سوى “ما تبقى من الماضي” أو هو “رواية [من الروايات المتعددة الممكنة] عن أحداث الماضي” (العروي، 2018: 13). ولأن المنهج التاريخي يقوم، في نظر العروي، على إعادة تعريف الحدث التاريخي، وتنويع الوثائق التاريخية وتوسيع الممارسة النقدية، لم يعد اهتمام التاريخ منصبا على الرواية، بل على التحليل (المرجع نفسه، 14).
لا تختلف التعريفات الغربية كثيرا عن المنظور الخلدوني، ذلك أن مهمة التاريخ تتمثل في إعادة بناء الأحداث والظواهر التي حصلت فعلا في واقع موضوعي عبر تحليل المادة المصدرية تحليلا علميا دقيقا وصارما.يمثل التاريخ شكلا مستقلا من البحث والتقصي، يسعى إلى تقديم أجوبة على أسئلة ومشكلات، عبر النظر في سلسلة أو متوالية من الأحداث التافهة ظاهريا، لكنها مترابطة فيما بينها بأسباب وترسبات، ومقارنة هذه الأخيرة بغية فهم كيفية حصول الأحداث واستكناه منطقها العام (Elton, 1967/1969: 13).لكن التحدي يكمن في أن وقائع الماضي لا تمثل حقائق تاريخية، وأن المؤرخ لا يعالجها على هذا النحو (Carr, 1990: 10). إن المؤرخ هو من يحوّل هذه الوقائع إلى “حقائق تاريخية”، بل يجعل الماضي ذا معنى في الحاضر. من دونه تصير هذه الوقائع تافهة وميتة. هكذا، يغدو التاريخ، في منظور ‘إدورد هاليت كار’، “سيرورة متواصلة من التفاعل بين المؤرخ ووقائعه، وحوارا لانهائيا بين الحاصر والماضي” (المرجع نفسه: 30).
في المقابل، بما أن التأليفات في مجال تعريف الرواية مبنية على عدد لا حصر له من التحديدات والمفاهيم المتنوعة والمتقاطعة، والمتناقضة أحيانا، ستتوجه هذه الدراسة مباشرة إلى مناحي الترابط بين الرواية والتاريخ؛ أي إلى ما يصطلح عليه بالرواية التاريخية. تتحدد هذه الأخيرة بوصفها شكلا سرديا يقوم على إعادة بناء التاريخ وإعادة خلقه تخييليا (Cuddon, 1991: 411). وفي عمليتي إعادة البناء والخلق هاتين، تتفاعل شخصيات تاريخية وأخرى متخيلة لتبتكر “أصواتـ[ا] جديدة أو مختلفة” أو لتفرز “عوالم بديلة” (الميلود، مرجع سابق: 195، 211). يخضع الروائي، هو الآخر، أحداث الماضي ووقائعه إلى “سيرروة متواصلة” من الحوار والتفاعل والغربلة التي من شأنها أن تسمح بإعادة صياغته وفق ما تمليه الكتابة الروائية، وما تطرحه الرواية من أسئلة حول هذا الماضي نفسه. فهو يستحضر، كما يفعل المؤرخ تماما، الوثيقة التاريخية، وهو يعي تماما أن هذا الاستحضار ليس سوى انعكاس لما ترسب في ذهن المؤرخ أو ما اقتنع به على أنه “الحقيقة” التاريخية. كما يعي أن أحداث التاريخ ووقائعه تكتنفها بياضات وفجوات وثقوب، يتعين على الروائي أن يسائلها ويبحث عن الطريقة المثلى لملئها أو إكمالها. تتمثل هذه الطريقة بالتأكيد في التخييل.
والتخييل استراتيجيةٌ تتحقق “عن طريق التعامل مع الشخصيات أو الأحداث أو المصادر التاريخية أو السرد الواعي للذات في نفس الآن” (المرجع نفسه: 211).تقوم هذه الاستراتيجية، في عمومها، على إعادة تقديم هذه الشخصيات أو الأحداث أو المصادر التاريخية في إطار حبكة سردية تخلخل حرفية التاريخ، من غير أن تندرج ضمن عمل المؤرخ الرامي إلى مساءلة التاريخ- وإن كانت تفعل ذلك بطريقة مغايرة-، أو تصير بيانا أو وثيقة تاريخية أو سردا تاريخيا حرفيا. لا يسائل الروائي التاريخ بطريقته الخاصة ليعرف فحسب ‘الحقيقة’ التاريخية أو آثارها في الحاضر، مثلما يفعل المؤرخ، بل أيضا ليقدمه بوصفه مساهمة لغوية وأثرا فنيا وقيمة جمالية؛ أي بوصفه خطابا أدبيا متكاملا ينتج قراءته الخاصة في هذا التاريخ، ويفجر الثابت واليقيني فيه، ويقدمه ضمن نظام نصي يقوم على سلسلة رموز شكلية ولغوية مختلفة ومتعددة.
وبما أن غاية هذه الاستراتيجية تكمن في إنتاج هذا الخطاب المختلف عن خطاب المؤرخ، لا بد من السؤال: ما طبيعة المادة المصدرية التي تعتمدها الرواية التاريخية؟ وكيف يعالجها الروائي؟ ستحاول هذه الدراسة أن تجيب عن هذين السؤالين من خلال التركيز على روايتي ‘جلبير سينويه’ جزيرة الغروب ومنقار البطة.
- تمظهرات التاريخ في جزيرة الغروب ومنقار البطة:
لنتساءل أولا: ما الذي تعالجه الروايتان موضوع هذه الدراسة؟ أي ما موضوعهما وقضاياهما؟ تصف الرواية الأولى جزيرة الغروب مجمل الأحداث التاريخية التي شهدها المغرب خلال عهد المولى إسماعيل، مع حرص السارد على أن يعود، بتوظيف تقنيات مختلفة، إلى فترات سابقة، ليقدم مثلا أخبار الأمازيغ (مملكة الأوراس والملكة/الكاهنة ديهيا)، أو دخول الإسلام (معارك عقبة بن نافع وتأسيس القيروان)، أو نشأة الدول المغربية وتطورها، أو ليصف شخصيات رائدة (إدريس الأول، المنصور الذهبي، زينب النفزاوية، لويس الرابع عشر). وتجمع هذه الرواية بين شخصيات واقعية، مثل السلطان المولى إسماعيل ومحمد تميم، والي تطوان وسفير المغرب إلى فرنسا، والقايد محمد بن حدو وأحمد بن محرز، ابن أخ السلطان، وأخرى متخيلة، مثل الطبيب كاسيمير جيوردانو (السارد في الآن ذاته) والممرضة فاطمة وابنها عمار ووالدتها سلمى. تدور هذه الشخصيات كلها في فلك السلطان الساعي إلى توحيد المغرب وبناء دولة قوية والقضاء على الفتن والقلاقل الداخلية ووقف الأطماع الخارجية.
أما الرواية الثانية منقار البطة، فتختلف عن الأولى من حيث مسار السرد التاريخي، إذ لا تركز على سلطان واحد، بل على مجموعة، أولهم السلطان المولى سليمان، الذي تنفتح معه ملحمة المغرب التاريخية، منذ أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، على تطورات مهمة وتقلبات خطيرة تنتهي باحتلال المغرب التدريجي الذي أخذ يتصاعد منذ هزيمته في معركة إسلي سنة 1844. وعلى غرار الجزء الأول، تنبني الأحداث في هذا الجزء الثاني على شخصيات واقعية مثل السلاطين محمد بن عبد الله والمولى اليزيد والمولى هشام والمولى سليمان والمولى عبد الرحمان والمولى الحسن الأول والمولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ، فضلا عن الأمراء (عبد السلام، شقيق السلطان سليمان) والساسة (الصدر الأعظم السي موسى) والقادة (ابن مبارك) والأولياء والصلحاء (مولاي العربي الدرقاوي، شيخ الطريقة الدرقاوية) وغيرهم. كما تنسج الرواية خيوط أحداثها بشخصيات متخيلة، مثل كريم بوعزة وزوجته مريم وابنيهما نادية والطاهر وأحفادهما. وتحفل هذه الرواية، باختيار شخصياتها هذه، بأحداث تاريخية متسارعة مهدت الطريق أمام القوى الكولونيالية (فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وألمانيا) لاحتلال المغرب وفرض الحماية عليه مع بداية القرن العشرين.
ولنتساءل ثانيا: ما هي أهم المصادر التي استقى منها الكاتب معلوماته التاريخية وبنى بها إطاره التخييلي؟ استمد الكاتب أحداث الروايتين وتمثلات شخصياتهما من مصادر معرفية متعددة ومتنوعة[3]، يمكن تصنيفها ضمن خانتين: خانة أولى تتضمن بعض أهم الكتابات الكولونيالية حول المغرب التاريخي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، من تأليفات دراسية وبحثية ومراسلات ومذكرات ومرويات وتقارير وغير ذلك، فضلا عن تمثلات وردت ضمن أعمال فنية عبارة إما عن صور أو رسوم (كما ستبين هذه الدراسة لاحقا، عند وقوفها على رحلة الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا إلى المغرب). وثمة خانة ثانية تتألف من الكتابات التاريخية المغربية المكتوبة بالفرنسية، أو المترجمة إليها في الغالب، فضلا عن تعليقات أو شروح شفاهية مستمدة من مصادر خاصة. لنتوقف أولا عند كل خانة على حدة:
- المصادر الكولونيالية:
تهتم هذه المصادر[4]، على العموم، بفترات مختلفة من تاريخ المغرب تمتد من الممالك الأمازيغية ما قبل الإسلام إلى عهد الحماية الفرنسية. كما تعالج قضايا متنوعة ومتباينة تتراوح بين المسألة السياسية، برجالاتها ودولها ومعاركها وعلاقاتها الخارجية، مرورا بالشؤون الدينية والاقتصادية، وانتهاء بالكوارث والنوازل الطبيعية مثل الأوبئة والمجاعات وغير ذلك. وتأتي معالجة هذه القضايا والمسائل إما في سياق تاريخي شامل يدرس تحولات تاريخ المغرب عبر مدى زمني طويل، وإما في سياق خاص يهتم بحالة أو موضوع (مثل الأسْر أو العبودية أو الجهاد البحري) أو شخصية (مثل المولى إسماعيل أو الكاهنة ديهيا) أو فئة (مثل النساء أو الأمازيغ أو اليهود) أو جهة (مثل فاس أو مراكش أو الأطلس) أو ما شابه ذلك.
تمتح الروايتان موضوع هذه الدراسة، كما قال الكاتب، بعض تيماتها وأحداثها وشخصياتها الرئيسة، وتوظفها ضمن قالب سردي يمزج بين ضرورات التخييل ومعطيات التاريخ[5]. يتوافق العالمان التخييلي والتاريخي، بل يكادان يتطابقان. يعالجهما الكاتب بطريقة متوازنة لا تغلّب أحدهما على الآخر. ومن الواضح أن هذه المصادر الكولونيالية كانت مصدر إلهام يغذي الرواية بمستوياتها المختلفة. فعلى سبيل المثال، يبدو أن شخصية ديهيا، في الجزء الأول جزيرة الغروب، مستمدة من رواية مارسيل ماغدينيي الكاهنة، وشخصية الطبيب الفرنسي كاسيمير جيوردانو مستوحاة من كتاب جرمان مويط حكاية أسر السيد مويط، الذي يروي تفاصيل سنوات أسره وعبوديته الإحدى عشرة في سلا وفاس ومكناس في عهد السلطان المولى إسماعيل. في حين، تستعين الرواية بمصادر مختلفة، مثل كتاب دومينيك بيزنو أو دانييل ريفي أو هنري كاستري، لرسم صورة السلطان إسماعيل وتخيل أبرز ما شهده عهد حكمه الذي ينيف على نصف قرن من أحداث تاريخية. ومن جانب ثان، يستند، في الجزء الثاني منقار البطة، إلى أعمال الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا، ليصف ما كان يميز الفضاء المغربي العام، خاصة الأمكنة في فاس ونمط العيش وطبيعة الأزياء وما شابه ذلك. ثمة إشارات قوية إلى ميزات هذا الفضاء، ترد فيما قاله دولاكروا لحاجب السلطان المولى عبد الرحمان:
عندكم هنا بلد جميل. يا له من ضوء! خُلِقَ هذا البلد من أجل الفنانين. الجميل فيه زاخر، يسعى بين الشوارع. أعترف لك أنني منبهر بما رأيته حتى الآن. لقد تمكنتُ، بفضل مترجمنا السيد ابن شيمول، أن أحضر حفل زفاف يهودي. واستطعتُ أن أرسم رسوما أولية لحظة العرس. كان حفلا مدهشا. لقد استنفدت بالفعل ستة دفاتر منذ وصولي، وهذا هو السابع[6]، لكأن الحاجة إلى إعادة إنتاج ما أراه التهمتني. لكني أعرف أن ما سأنقل أثره سيكون بعيدا عن حقيقة هذه الطبيعة، وعن نُبْلِها (سينويه، منقار البطة، 2024: 134).
تسمح شخصية أوجين دولاكروا الروائية والواقعية معا، من خلال انصرافها إلى الاهتمام بـ “الجميل” و”الزاخر” و”النبيل”، بتصوير الناس والأمكنة، مثل الشوارع والمساجد والبيوت، والحياة السياسية والاجتماعية، مثل مراسيم القصر والأعراس والحفلات، وطبيعة الأزياء، مثل الجلباب والبرنس والعمامة، ناهيك عن الطبيعة، مثل الأنهار والأشجار والجسور والفلاة. يستمد السرد الروائي من هذه الرسوم أوصافا ومعالم كثيرة لتأثيث فضاء الرواية (أي تحديد هويتها المكانية) ورسم مقومات الحياة المغربية الاجتماعية والثقافية والدينية، سواء من حيث نمط العيش واللباس والمعمار وغير ذلك. من هنا، يتساوق الفن والسرد، في الآن ذاته، لتقديم صورة عامة حول مغرب القرن التاسع عشر. ذلك أننا نجد السارد، على امتداد الروايتين، يوظف تلك السمات الفنية الواردة في رسوم دولاكروا لوصف شخصياتهما، منها مثلا وصف لباس السلطان أو القايد أو القصر أو حتى السكان.لكن ما ينبغي أن ننتبه إليه هنا هو أن الوصف، وإن كان يمتح من هذه المصادر الكولونيالية، يبتعد قدر الإمكان عن تصوير مغرب غريب وشاذ، مثلما فعلت جل الكتابات الكولونيالية؛ وهو بذلك ينأى عما قدمته هذه الكتابات من صور نمطية وأحكام سلبية وكليشيهات وكاريكاتيرات حول الإنسان المغربي أو تاريخه أو بلده. (ربما يرجع سبب تحاشي تمثلات الكتابات الكولونيالية إلى تأثير المصادر التاريخية المحلية، وإلى تنبيه أصدقاء الكاتب من الباحثين المغاربة، كما توحي كلمة الشكر في كل جزء.)
- المصادر المغربية:
ما يعتمده الكاتب من مصادر مغربية/مغاربية متنوع، لكنه ضئيل مقارنة مع الكتابات الكولونيالية، ومعظمه مكتوب باللغة الفرنسية. بعضه ظاهر ومعلن في الروايتين، وبعضه الآخر ضمني ومفهوم من خلال السياق فيهما[7]، تنشغل هذه المصادر، هي الأخرى، بإشكاليات تختلف من حيث طبيعة أسئلتها وقضاياها وفرضياتها، ومن حيث مداها الزماني والمكاني. فهي تطرح المغرب في بعده الزمني الممتد أو المحدود (بما يعكسه من تحولات سياسية واقتصادية وكوارث ونوازل طبيعية). كما تطرحه في بعديه المحلي (علاقة اليهود والمسلمين والسلطان إسماعيل مثلا) والإقليمي والدولي (الأمير عبد القادر والعلاقة مع الأندلس وأوربا والغرب عموما). فضلا عن ذلك، فهي تدرس حالات معينة، مثل العبودية أو الهجرة أو الحروب أو تجارة القوافل أو العلاقة مع جنوب الصحراء.
ترد هذه القضايا وغيرها في روايتي جلبير سينويه، وفق تصميم سردي متنوع، يقوم إما على تقنيتي الحكي أو الحوار أو تقنيات سردية أخرى، مثل اليوميات والمذكرات والأخبار والمراسلات، وحتى الوثائق الرسمية. فعلى سبيل المثال، ينطوي الجزء الأول جزيرة الغروب، فضلا عن الحكي والحوار، على تقنيتي اليوميات والأخبار. لا يخبرنا سارد هذه الرواية كاسمير جيوردانو، في يومياته، فحسب بأفعاله وأفكاره وأحاسيسه ومشاهداته، بل أيضا بما يعاينه من أحداث جرت أمامه، سواء داخل القصر في حضرة السلطان وحاشيته، أو خارجه، من حياة اجتماعية واقتصادية وحروب.نعاين من خلال هذه اليوميات المحلات السلطانية وتنقلات الجيش وحملاته ضد القبائل، خاصة تلك المطاردات التي لاحق خلالها السلطان المولى إسماعيل ابن أخيه المتمرد أحمد بن محرز. في حين، تزودنا “أخبار الأمازيغ” -في هذا الجزء- بنتف متخيلة من تاريخ الأمازيغ الأوائل ومماليكهم ومقاوماتهم الفتح الإسلامي، من خلال ما تسرده عن مملكة الأوراس وملكها كسيلة وخليفته الكاهنة “ديهيا” وحروبها ضد المسلمين الفاتحين. ومن الواضح أن الكاتب استعان، في تحرير يوميات جيوردانو، بكتاب الناصري الاستقصا، فضلا عن بعض المصادر الأوربية. أما “أخبار الأمازيغ”، فيبدو أنه تأثر فيها بما أورده ابن خلدون في مقدمته، سواء في وصف ملكتهم “ديهيا” أو في ذكر تاريخ الأمازيغ قبل مجيء الإسلام أو بعده.
وفي الجزء الثاني منقار البطة، ينطوي السرد، فضلا عن تقنيات الوصف والحوار وغيرهما، على توظيف المذكرات، بوصفها حاملا منفصلا يدون ما يجري من أحداث ووقائع وفق تسجيل كرونولوجي ممتد من سنة 1808 إلى غاية سنة 1907؛ أي على امتداد قرن كامل. والمذكرات في هذا الجزء مستقاة أيضا من كتاب الناصري الاستقصا، إذ ينتقي منه الكاتب مقتطفات تساير السرد وتخدم التخييل بعناية. وتحمل هذه المذكرات اسم خالد الناصري، إذ يصير المؤرخ المعروف بطلا أو ساردا ثانيا في هذه الرواية، غايته تطعيم الحكاية الأصل وإضاءتها بما يحويه كتابه من تسجيلات تاريخية حول أحداث المغرب خلال القرن التاسع عشر. لكن هذه المذكرات لا تلتزم أحيانا بحرفية نص الناصري، إذ تحذف منه أو تغير بعض مضامينه أو تضيف إليه مقاطع من بنات أفكار الكاتب، بما يلائم تطور الحدث الروائي وسرده (وأبرز ما يضيفه الكاتب هنا إلى مذكرات الناصري في الرواية تلك التسجيلات التي ترد بعد وفاته سنة 1897، وهي تسجيلات تمتد أكثر من عشر سنوات). من هنا، لا تمثل الوثيقة التاريخية-وهي كتاب الاستقصا– مرجعا ملهما فحسب يغذي أحداث الرواية، بل سندا سرديا يولد الأثر الأدبي في الآن ذاته.
- تخييل التاريخ وتوليد الأثر الأدبي:
على ضوء هذه التعالقات بين التاريخ والرواية في روايتي جزيرة الغروب ومنقار البطة، لا بد من القول-بصفة عامة- إن السرد فيهما يقع في منطقة حدودية بين التاريخي والسردي، الواقعي والتخييلي. يعبر التاريخي/الواقعي إلى التخييلي، ليغذي السرد ويطعم أحداثه، ويعبر التخييلي إلى التاريخي/الواقعي ليضيء جوانبه المعتمة. ثمة اشتباك بين الاثنين، بتعبير الناقد أحمد بلاطي، “إذ يحضر السارد والمؤرخ، ويتجادلان حول طرائق الكتابة ومبادئها وتقنياتها وشروطها، وإبراز خلافهما حول الحقيقة وحول الماضي” (بلاطي، 2024: 82). يتحرك السرد، في الروايتين، داخل هذه منطقة الحدودية، حيث ينتقل من إطار تاريخي/واقعي إلى آخر تخييلي أو العكس. قوام الإطار التاريخي/الواقعي الأمانة للتاريخ، التي تشترط أن تكون الأحداث والشخصيات الروائية مطابقة تماما للأصل؛ أي للأحداث والوقائع والشخصيات والمصادر التاريخية. في حين يقتضي الإطار التخييلي ابتكار حبكة متخيلة وأبطال متخيلين يحركون الإطار الأول وينفعلون به ويؤثرون فيه.
من هنا، يصير الماضي سياقا تاريخيا/واقعيا وسندا تخييليا في الآن ذاته، إذ يصاغ وفق رؤية تخييلية تجعل منه ذريعة أو منطلقا لحكاية تدمج عناصر أو أحداثا أو شخصيات لم يدونها التاريخ، أو لم يهتم بها بصورة كافية، أو تقوم على تغيير العناصر أو الأحداث أو الشخصيات المعروفة، كأن تضيف إليها مشاعر وعواطف إنسانية منعدمة فيها، أو على تعديل سماتها وخصائصها التاريخية حسب إملاءات الحبكة الروائية، أو على إيجاد عناصر أو أحداث أو شخصيات غير موجودة في التاريخ. فكيف تتبدى إذن هذه المنطقة الحدودية في روايتي جلبيرسينويه؟
يتكون الإطار التاريخي، في روايتي جزيرة الغروب ومنقار البطة، من عدة عناصر واقعية، نقدم أبرزها في العناصر التالية:
- الشخصيات: وهي توازي بين شخصيات رئيسة، مثل السلطان المولى إسماعيل في جزيرة الغروب وسلاطين المغرب خلال القرن التاسع عشر في منقار البطة، وأخرى ثانوية، أهمها حاشية القصر من وزراء وحجاب وقواد وسفراء.
- الأحداث: وهي تضم مستويات مختلفة، تتراوح بين المحلات السلطانية والحركات العسكرية والمعارك والصراعات بين المخزن والقبائل، والمبادلات التجارية، والعلاقات الخارجية وتبادل الزيارات الدبلوماسية، فضلا عن أحداث أخرى اجتماعية ودينية وثقافية، مثل الصلاة في المسجد يوم الجمعة.
- الفضاءات: وهي تشير إلى فضاءات شاملة/موسعة هي المغرب ومحيطه الإقليمي والدولي، وفضاءات ثانوية، مثل المدن والبلدات والبوادي أو السواحل والجبال والسهول، وفضاءات جزئية، مثل القصر أو محلة السلطان أو البيوت أو غرفة أو مكتب أو مطبخ.
يتسم الإطار التاريخي بأمانته ووفائه للحدث التاريخي، كما سبق القول. ويترجم المرحلةَ التاريخيةَ التي تعالجها الروايتان، في أبعادها السياسية والعسكرية والدولية أساسا. ذلك أن السرد الروائي هنا يعكس الحدث التاريخي بحذافيره (إذ يتطابق الحدث الروائي مع الحدث التاريخي، بصرف النظر عن انتقائية الوثيقة التاريخية). ويستخدم هذا السرد أدوات/تقنيات مختلفة لتقديم الحدث التاريخي، منها الأخبار والمذكرات والرسائل ونصوص المعاهدات الدولية وكتب التاريخ (مقدمة ابن خلدون واستقصا الناصري مثلا)، بأسلوب بتطابق مع السرد الروائي. ويبدو أن الاختيار/الأثر تعليمي/إخباري[8] في المقام الأول، قوامه تعريف القراء، خاصة الغربيين منهم، بتاريخ المغرب وسكانه وعاداته.
ويستند الإطار التخييلي، هو الآخر، إلى جملة من العناصر المتنوعة المماثلة للإطار الأول من حيث المكونات والسمات، لكنها متخيلة، وهي:
- الشخصيات: هي شخصيات متخيلة يعلن الكاتب عن أسمائها في مستهل كل رواية. هذه الشخصيات مستوحاة منالنسيج الاجتماعي المغربي، بطبقاته وانتماءاته المختلفة، إذ تتكلم اللغة المحلية، وترتدي اللباس المغربي (الجلباب والحايك والبرنس.)، وتفعل وتنفعل وفق العادت والتقاليد المحلية.لكن ثمة شخصيات أوربية (فرنسية، إنجليزية، إسبانية، ألمانية، عربية) تتفاعل بلغتها وعاداتها، وإن كانت سماتها وخصائصها تدمج الواقعي والتخييلي في بعض الأحيان.
- الأحداث: غالبا ما تعكس حركية المجتمع، بمستوياته وأنشطته المختلفة، من نمط عيش داخل البيوت، وحياة أسرية وتفاعل بين أفرادها، ومن حياة اجتماعية ودينية في المساجد والشوارع والحارات والأسواق، ومما يجري من تعاملات فردية أو جماعية مختلفة داخل النسيج الاجتماعي المغربي العام…
- الفضاءات: هي بخلاف الفضاءات التاريخية الموصوفة أعلاه. تنكشف في الغالب من خلال الوصف، بأنها أمكنة ثانوية، مثل البلاط ومكوناته، أو البيت وغرفه، أو المسجد، أو الشارع، أو ساحة المعركة، أو ما شابه ذلك. إنها فضاءات تاريخية أو واقعية، لكن وصفها يقوم على تخيل مكوناتها ومقوماتها.
ثمة سمات عديدة تميز الإطار التخييلي. فمن ناحية أولى، يستمد هذا الإطار بعض مقوماته من الإطار الواقعي، ليصف الشخصيات أو الأحداث أو الفضاءات. لنأخذ مثلا تلك الأوصاف المختلفة التي يضفيها السارد، في الجزء الثاني، على طبيعة اللباس المغربي. إنها تطابق تماما رسوم أوجين دولاكروا، سواء لعرس يهودي في المغرب، أو للمارة في شارع ما، أو لجنود أثناء المعركة. يستدعي السارد هنا وثيقة تاريخية/واقعية-هي رسوم دولاكروا-، ليدعم بها صورة شخصية أو حدث أو فضاء متخيل. ومن ناحية ثانية، يوظف السارد هذا الإطار التخييلي لدعم الحدث التاريخي/الواقعي بأبعاد اجتماعية/ثقافية/دينية، من شأنها أن تعكس حياة الإنسان المغربي، وأن تبرز حياته وحركيته وحيويته، وربما اختلافه عن الزمن الراهن؛ ومن ثمة، إدراج أحداث الرواية ضمن زمنية خاصة. لكن توظيف هذا الإطار التخييلي يروم، من ناحية أخرى، تجريد التاريخ من سطوته وخرق قدسيته وتجاوز حرفيته وتنسيب معلوماته. وهنا، وبخلاف الإطار الواقعي، يبدو أن الإطار التخييلي في الروايتين يمثل اختيارا جماليا وفنيا يراهن على الخلق والإبداع في أشكال السرد وأساليبه الفنية، وعلى توسيع مساحة تلقي الرواية وقراءتها.
هكذا، يقود هذا الجمع بين التاريخي والتخييلي في روايتي جزيرة الغروب ومنقار البطة إلى ضرورة الحديث عن مزاوجة الكتابة بين الواقعي والفني/الجمالي. لا يستعيد الروائي الحدث أو المعطى التاريخي في الروايتين لذاته، وإنما من أجل إعادة بنائه تخييليا؛ أي أنه ينكب على تسريد التاريخ وجعله مقروءا روائيا. ومعنى هذا أن التاريخ يصير أثرا أدبيا، حيث تقدم الروايتان الشخصيات والأحداث والفضاءات، وكذا المصادر التاريخية، في إطار حبكة سردية تتوخى قراءة التاريخ بلغة الروائي لا المؤرخ؛ أي بوصفه خطابا أدبيا، لا خطابا تاريخيا. يصير التاريخي/الواقعي تخييليا في الآن ذاته، ويتمظهر التاريخ في الروايتين بوصفه نتاجا فنيا وجماليا، حيث لا تبدوان كتابا في التاريخ، وإنما عملا أدبيا يوظف التاريخ ذريعة لإنتاج رؤية مغايرة إلى الذات والفضاء المغربيين.
من هنا، يكون الأثر الأدبي هو ما أفرزته الروايتان تخييليا حول هذه الذات، إلى جانب ما هو معروف عنها تاريخيا؛ أي صورتها الموجهة إلى قارئ مفترض، هو القارئ الغربي. وما يميز هذه الصورة هو أنها خالية من تلك الأحكام والصورة النمطية التي تحفل بها الكتابات الكولونيالية حول المغرب، بما هو بلد متخلف ورجعي، وحول الإنسان المغربي بوصفه كائنا همجيا ومتوحشا وكذابا ومدلسا.ويبدو أن السرديات التاريخية المغربية ساهمت، بطريقة ما، في تحييد تلك الأحكام والصور، حيث خلقت نوعا من التوازن في تصوير هذا البلد والإنسان في الروايتين.
خاتمة
تنتهي هذه الدراسة إلى طرح الأسئلة التالية: هل اكتفى جلبير سينويه، في هاتين الروايتين، باستعادة التاريخ فحسب؟ أم أنه تجاوز ذلك إلى إعادة بناء إطاره الواقعي في إطار تخييلي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تطابقت السرديات التاريخية الكولونيالية والسرديات المغربية وتكاملت في تأثيث عوالم الروايتين؟ أم أنها برزت بشكل متباين؟ من جهة أولى، لا بد من القول، بصورة تعميمية، إن التاريخ حاضر بقوة في الروايتين، إذ يمثل الحدث الرئيس فيهما معا، لكنه يخضع لقوالب السرد وشروطه. لا يرد الحدث التاريخيمرويا وفق أسلوب المؤرخ، بل مسرودا وفق حبكة الروائي، وإن كان يوظف بعض تقنيات الكتابة عند الأول، مثل اليوميات والمذكرات والأخبار وغير ذلك. ويمتزج هذا التاريخي بحدث روائي متخيل، يسنده ويضيء بعض جوانبه (الاجتماعية على الخصوص).
ولا يميل الروائي، من جهة ثانية، إلى خلخلة التاريخ أو نقده أو تقويضه، كما هو الأمر في الروايات التاريخية المعاصرة، بل يكتفي بتقديم التاريخ بإطاره الواقعي في إطار تخييلي. يجعل التخييلَ يسرد التاريخ، محتفظا بكرونولوجيته وواقعية أحداثه وشخصياته ومصادره، مثلما يجعل التاريخ يواكب التخييل، منضبطا لقوالبه وشروطه السردية. لا يعاكس أحدهما الآخر، أو ينتقده، أو ينقضه، أو يقوضه. لا أفضلية لأحدهما على الآخر. ثمة توازن بين التاريخي والتخييلي، بل ثمة تكامل بينهما؛ إذ يصير التاريخ مصدرا للإطار التخييلي، بينما يتحول التخييل إلى قالب يعيد صياغة الماضي، ويصهر هذا الأخير بأحداثه وشخصياته المتعددة والمتشعبة في حبكة سردية، ويحوله إلى حكاية قابلة للقراءة والاكتشاف. ويدمج هذا القالبُ مصادر هذا التاريخ المختلفة، الكولونيالية والمغربية، في حبكة موحدة ومنسجمة ومتواصلة، من غير أن يظهر أي نفور بينها في الروايتين معا. غير أن هذه الحبكة تنتقي أحداثها وشخصياتها بعناية، حيث تحتفظ بالجوانب المشرقة فيها فقط، وتطرح ما يرتبط منها بالتمثيلات السلبية، سواء الكولونيالية أو المحلية، للذات المغربية في تجلياتها التاريخية. من هنا، لا يقدم المصدران التاريخيان الكولونيالي والمغربي إلا الصور الإيجابية أثناء تصوير هذه الذات على امتداد صفحات جزيرة الغروب ومنقار البطة.
———————————————–
ببليوغرافيا
مصادر:
سينويه، ج.، جزيرة الغروب، ترجمة محمد جليد، بيروت، دار الجمل2022.
سينويه، ج.، منقار البطة، ترجمة محمد جليد، بيروت: دار الجمل، 2024.
Sinoué, G. ,L’île du couchant. Paris, Gallimard, 2021.
Sinoué, G., Le bec de canard. Paris, Gallimard, 2022.
مراجع:
ابن خلدون، ع.،المقدمة، دمشق: دار يعرب، 2004.
الشرقاوي، ع.، رحلة أوجين دولاكروا إلى المغرب، الدار البيضاء، منشورات مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، 2021.
العروي، ع.، مجمل تاريخ المغرب، الدار البيضاء/ بيروت، المركز الثقافي للكتاب للنشر والتوزيع، 2018.
الميلود، ع.، التخييل موضوعا للتفكير، الدار البيضاء، شركة النشر والتوزيع المدارس، 2022.
بلاطي، أ.، الرواية التاريخية الجديدة: من رواية التاريخ إلى رواية الميتاتخييل التاريخي، الدار البيضاء، منشورات السرديات، 2024.
مبارك، ن.، “‘جزيرة الغروب’… أضواء على المولى إسماعيل.” في موقع ضفة ثالثة، (2021، 19 يوليوز)، (الموقع أسفله).
Carr, E. H. What is History. London/ New York, Penguin Books (2nd edition), 1990.
Cuddon, J. A.,Dictionary of Literary Terms and Literary Theory. London/ New York: Penguin Books, 1991.
Elton, G. R. (1967/1969). The Practice of History. London and Glasgow: Collins Clear-Type Press, 1967/1969.
مواقع:
[1]انتبه الباحث والناقد عثماني الميلود، في كتابه التخييل موضوعا للتفكير، إلى الخلط الذي يشوب التفكير الأدبي العربي حول مفهومي “لتخييل التاريخي” و”الرواية التاريخية”. وأرجع سبب ذلك إلى عدم فهم الانتقال من أنموذج إلى آخر في النظريات النقدية الحداثية. انظر: الميلود، ع. (2022). التخييل موضوعا للتفكير. الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس. ص. 194.
[2]أشير هنا إلى أن هاتين الروايتين تمثلان الجزأين الأول والثاني من ثلاثية حول تاريخ المغرب خلال القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، بحسب ما أعلنهمؤلفهما في بعض جولاته الأدبية وحواراته الصحافية ولقاءاته مع القراء في المغرب، علما أن الجزء الثالث الخاص بالقرن العشرين لم يصدر حتى حدود تحرير هذه الدراسة. انظر: مبارك، ن. (2021، 19 يوليوز). “جزيرة الغروب… أضواء على المولى إسماعيل” في ضفة ثالثة:
https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/secondbank/2021/6/19/%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%A3%D8%B6%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%84%D9%89-%D8%A5%D8%B3%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D9%84
[3]إنني ممتن للروائي جلبيرسينويه لكونه أخبرني، في مراسلة بالبريد الإلكتروني، أنه اعتمد في هاتين الروايتين على لائحة طويلة من المصادر التاريخية المغربية والفرنسية. كما أمدني بلائحة محصورة من العناوين (مراسلة إلكترونية بتاريخ: السبت 7 يناير 2024، على الساعة الثالثة عصرا وست وخمسين دقيقة).
[4]تقدم هذه الدراسة العناوين التالية على سبيل المثال لا الحصر، بوصفها مصادر في تأليف الروايتين موضوع هذه الدراسة، وهي تجمع بين كتابات فرنسية وأخرى إنجليزية:
Germain Moüette, Relation de la captivité du sieur Mouette dans les royaumes de Fez et de Maroc (1683)- Dominique Busnot, Histoire du règne de Moulay Ismail (1714)- Charles de Foucauld, Reconnaissance au Maroc (1888)- Charles Peyreigne, Les influences européennes au Maroc avant la conférence d’Algésisras (1908)- Roger le Tourneau, Fès, avant le protectorat (1949)- Magdinier, LaKahena (1953)- Levesque et Penz, Histoire du Maroc (1955)- Jean Servier, Les Berbères (1989)-Berque et Couleau, Le Maroc (1992)- Gabriel Camps, L’Afrique du nord au féminin (1995)- Baron de Slane, Histoires des Berbères (2003)- Pennel, Morrocofrom empire to independence (2003)-Lucien Bély, L’art de la paix en Europe (2007)- Michel Abitbol, Histoire du Maroc (2009)- David Bensoussan, Il était une fois le Maroc (2010)- Daniel Rivet, Histoire du Maroc (2012)- Sénac et Cressier, Histoire du Maghreb Médiéval du VIIe au XIX siècle (2012)- Bernard Lugan, Histoire de l’Afrique du nord (2016)- Henry Castries, Les Sources inédites de l’histoire du Maroc de 1530 à 1845 (2019)- Comer Plummer III, Empire of Clay, the reign of Moulay Ismail (2019)- Osire Glacier, Femmes politiques au Maroc (2021)…
ومن الوارد أن يكون جلبيرسينويه قد اعتمد أيضا على شهادات المقيمين العامين وتقارير كبار المسؤولين من السفراء والقناصل والمبعوثين والضباط العسكريين الفرنسيين بالمغرب. ذلك أنه أشار، في لقاء جرى بالدار البيضاء يوم 2 ماي 2024، إلى أنه راجع كثيرا من وثائق الأرشيف الفرنسي حول المغرب، دون أن يحدد طبيعتها.
[5]مراسلة ثانية للكاتب جلبير سينويه بالبريد الإلكتروني بتاريخ السبت 7 يناير 2024، على الساعة الخامسة مساء وخمس وخمسين دقيقة.
[6]للاطلاع على بعض نماذج كراسات الرسوم التي أنجزها أوجين دولاكروا في المغرب، انظر كتاب الشرقاوي، ع. (2021). رحلة أوجين دولاكروا إلى المغرب. الدار البيضاء: منشورات مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، خاصة الصفحات: 65، 69، 89، 95، 96، 103، 108، 114، 128، 129، 137، و165. كما يمكن الاطلاع، في الكتاب نفسه، على رسومه النهائية، خاصة في الصفحات: 37، 54، 57، 61، 88، 116، 124، 142، 152، 186، 235، و245.
[7]تمثل المصادر التالية مرجعيات ضمنية أو غير مباشرة، اعتمدها الكاتب لبناء مختلف عوالم الروايتين موضوع هذه الدراسة وشخصياتهما وأحداثهما وحواراتهما وأفكارهما:
BerramdaneAbdelkhaleq, Le Maroc et l’Occident, 1800-1974 (1987)- Younès Nekrouf, Une amitié orageuse (1987)- Malek Chebel, L’esclavage en terre d’islam (2007)- Abdelaziz Touri, MhammadBenaboud, Naima Boujibar El-Khatib, Le Maroc Andalou (2015)- Mohammad Kenbib, Juifs et Musulmans au Maroc 1859-1948 (2016)- Khadija Mohsen-Finan (éd.), Le Maghreb dans les relations internationales (collectif/ 2019).
سيصادف القارئ أيضا مصادر معلنة في الروايتين، من بينها كتاب مجمل تاريخ المغرب لعبد الله العروي والوطنيون المغاربة في القرن العشرين– بجزأيه- لمصطفى بوعزيز. كما تكشف كلمة الشكر، في الروايتين معا، عن أسماء بعض الباحثين المغاربة، الذين مدوا الكاتب بمصادر معينة حول تاريخ المغرب، من أبرزهم مصطفى القادري، أستاذ تاريخ المغرب المعاصر بجامعة محمد الخامس بالرباط.ولا ننسى أن الكاتب يقتبس بطريقة غير معلنة من أفكار ابن خلدون، خاصة من فصول كتابه المقدمة حول الأمازيغ، ويستثمره فيما يسميه في الجزء الأول من ثلاثيته بـ “أخبار الأمازيغ” التي تروي تطور مملكة الأوراس ومقاوماتها الفتح الإسلامي. تبقى الإشارة إلى أن الكاتب يوظف مقاطع من كتاب الناصري الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، خاصة تلك المتعلقة بالقرن التاسع عشر، في صيغة مذكرات تؤرخ حوليات المغرب، وإن كان الكاتب يمضي بها إلى غاية سنة 1907، علما أن الناصري توفي سنة 1897.
[8]للاطلاع على أجيال الرواية التاريخية وغاياتهم الفنية، انظر كتاب الناقد أحمد بلاطي الرواية التاريخية الجديدة، خاصة الفصل الثاني “الرواية التاريخية: النوع وعوامل النشأة والتطور” (ص: 71- 83).
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه