ارتبط النص الرحلي الغربي لقرون بالخطاب الاستشراقي الامبريالي المبني بالأساس على ثنائيات ضدية تُحقّر من الآخر وتُمجّد الأنا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وقد ظهرت كتب الرحلات بشكل بارز ضمن النصوص التي عالجها إدوارد سعيد Edward Said في كتابه الاستشراق Orientalism (1978) كأمثلة عن الخطاب الاستشراقي الذي يسعى إلى اختزال وتقزيم الشرق في المتخيل الجمعي الغربي لتسهيل وشرعنة الإمبريالية الغربية. وقد تردد صدى هذا الطرح في العديد من الدراسات حول الكتابات الرحلية.
في مؤلفه الأدب الرحلي وتطور الرواية (1983) Travel Literature and the Evolution of the Novel يقول بيرسي أدمز Percy Adams أنه ” لم يكن للكتابات الرحلية مثيل في الدعاية للتجارة الدولية وللاستعمار.” (Adams 77). وركزت ماري لويس برات Mary Lewis Pratt في كتابها عيون إمبريالية: الكتابة الرحلية والتعددية الثقافية (1992) Imperial Eyes: Travel Writing and the Transculturation على العلاقة الوطيدة بين الكتابات الرحلية والأجهزة الإيديولوجية للقومية الأوروبية. أما باربرا كورت Barbara Korte، وفي تحديدها للخطوط العريضة لتاريخ الكتابات الرحلية الإنجليزية في مؤلفها الكتابة الرحلية الإنجليزية: من رحلات الحج إلى الاستكشافات مابعد كولونيالية (2000) English Travel Writing: from Pilgrimages to Postcolonial Explorations، فقد صاغت مصطلح “السرد الرحلي الإمبريالي” “imperialist travelogue” للإشارة إلى تشابك الأدب الرحلي مع الخطاب الإمبريالي. وأرجعت هذا التشابك إلى الحقبة الحديثة المبكرة التي شهدت نشر كتابات رحلية تشجع على التوسع في القارة الأمريكية. ليصبح مستكشفون أمثال دفيد ليفينغستون David Livingstone وريتشارد بورتون Richard Burton، الذين ألّفوا كتبهم الرحلية في أوج الإمبراطورية البريطانية تحت رعاية الجمعية الجغرافية الملكية Royal Geographical Society، أبطال قوميين جلبوا بركات الحضارة البريطانية إلى “الشعوب المتوحشة”.
وبينما شكل الاستكشاف والتوسع والمركزية الأوروبية جوهر الأدب الرحلي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، سيعرف النص الرحلي تحولا نسبيا في القرن العشرين من حيث الدوافع، وبالتالي المضمون. فالسياحة الجماعية mass tourism وسهولة التنقل المتزايدة أطفأت العجائبية والاستكشاف الذين كانا سائدين في النصوص السابقة. وبعد حربين عالميتين وانهيار الامبراطوريات الأوروربية، أفسحت تلك النصوص _المُمجِّدة للرجل الأبيض الذي حمل على عاتقه مهمة إنقاذ الشعوب المستعمَرة من همجيتها وتخلفها_ المجال لكتابات غربية تقوّض وتفكك المركزية الأوروبية، مثل كتابات المستكشف البريطاني ويلفرد باتريك ثيسيجر Welfred Patrick Thesiger المنتقدة للحضارة الغربية. عبَر ثيسيجر صحراء الربع الخالي الخطرة والغير معروفة آنذاك. ولم تكن رحلته بدافع استكشاف مناطق جديدة في شبه الجزيرة العربية والمساهمة في التوسع فيها، وإنما نبعت من رغبته في الهروب من الحضارة الغربية. ففي رمال عربية Arabian Sands، مثلا، يُبرز ارتباطه العميق بقبائل البدو ويتأسف على التلاشي التدريجي لأسلوب حياتهم تحت زحف الحضارة الأوروبية. هكذا حوّلت مثل هذه الكتابات مسار الأدب الرحلي من كونه وسيلة للتحيّز الثقافي إلى كونه أداة للنقد الثقافي. إضافة إلى ذلك، فقد قلّصت السياحة الجماعية وسهولة التنقل واستقلال البلدان المستعمَرة من الرحلات المدفوعة بأغراض رسمية أو المموّلة من قِبل مؤسسات حكومية أو اجتماعية. ليصير السرد الرحلي أكثر تمركزا على الذات والهوية.[1]
وبحلول الألفية الثالثة صارت السرود الرحلية الغربية أكثر ابتعادا عن المركزية وأكثر وعيا بالحق في الاختلاف وترحيبا به. لكن هذا لا يعني اختفاء الخطاب الاستشراقي الإمبريالي في الرحلة الغربية المعاصرة. السائد في الخطاب الرحلي الغربي عامة هو تقديم صورة قاتمة عن الشعوب الشرقية لتبرير استعمارها أو “إنقاذها” من “وحشيتها” و”تخلفها”. وتدخل غالبية الكتب الرحلية الغربية التي أُلّفت حول المغرب في هذا الإطار. لتتخذ عملية “الإنقاذ” طابعا مضاعفا عندما يتعلق الأمر بتمثيل المرأة المغربية، التي، إضافة إلى نعتها بالمتخلفة والأمية، توصف بالخاضعة، الصامتة، المفتقِرة للحرية والاستقلالية والفاعلية في مجتمع يسوده النظام الأبوي.
سارت المغامرة الاسكتلندية أليس موريسون ضد هذا التيار بتقديم صورة مشرقة للمغاربة عامة وللنساء المغربيات خاصة، البدويات منهن والحضريات، في كتاب رحلي يحمل عنوان ألف ليلة وليلتي: مغامرات من المغرب (2019) My 1001 Nights: Tales & Adventures from Morocco، والذي يوثق ألف ليلة وليلة قضتها الكاتبة في بلد قصدته أساسا للمشاركة في سباق “ماراتون الرمال” Marathon des Sables سنة 2014 لينتهي بها المطاف إلى الاستقرار به.
تسعى هذه الدراسة إلى رصد وتحليل تمثلات موريسون المختلفة للنساء المغربيات في هذا الكتاب ومقارنتها بالصورة الكليشيهية التي كانت سائدة. كما تهدف إلى تسليط الضوء على تركيز الكاتبة _بصفتها امرأة غربية_ على علاقاتها بالمغرب والمغاربة عامة وبالمرأة المغربية بصفة خاصة. وستعتمد الدراسة لهذا الغرض مقاربة موضوعاتية بالتركيز على تيمة المرأة وتجلياتها المختلفة في كتاب موريسون _المرأة المغربية البدوية، المرأة المغربية العصرية، المرأة المغربية التقليدية-العصرية، والمرأة الغربية (المغامرة) المقيمة بالمغرب لإبراز تفكيك موريسون للمركزية الغربية والاستشراق الامبريالي بنسفها للصورة النمطية المونوليثية المرتبطة بالمرأة المغربية والشرقية تعميما.
أليس موريسون
“إنديانا جونز الفتيات” (Indiana Jones for Girls)، هكذا تقدم موريسون نفسها على الصفحة الرئيسية لموقعها (https://alicemorrison.co.uk/) مباشرة بعد صورتها واسمها. وبعد الضغط على زر “المزيد” نكتشف تعريفها لنفسها كالآتي:
أنا مغامرة ومستكشفة. أسافر إلى أبعد مكان على وجه الأرض وأتجول في أصعب موائلها (…) نحن نعيش في زمن يمر فيه العالم بأزمات متعددة وأريد أن أشهد على ما يحدث لكوكبنا مع تغير مناخنا ومجتمعنا. كما أريد أن أروي القصص التي تجمع بيننا كبشر بدل التي تفرّق بيننا. معا، يمكننا السعي نحو الحلول للعيش في عالم أكثر سعادة. وما من مكان أفضل للبدء غير الأماكن والأشخاص البعيدين.[2]
موريسون مستكشفة، مستعربة، مقدمة برامج تلفزيونية، محاضرة، وكاتبة رحلات. وُلدت سنة 1963 بالعاصمة الاسكتلندية إدنبرة لتلتحق بإفريقيا ستة أشهر بعد ذلك. نشأت في أوغندا وغانا ثم عادت إلى اسكتلندا لتلتحق بالمدرسة في سن الحادية عشر. درست اللغتين العربية والتركية بجامعة إدنبرة ثم مكثت سنتين بالقاهرة حيث كانت تُدرس اللغة الإنجليزية. بعد ذلك صارت واحدة من ثلاث صحفيات يعملن مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في لندن. وبعد ثماني سنوات في الصحافة دخلت موريسون مجال الأعمال؛ أمضت سنتين في إنشاء شركة “سوبرانت” (Supranet) ثم شغلت منصب الرئيس التنفيدي لشركة ّفيجن بلاس ميديا” (Vision + Media). لكن في 2011، وإثر سياسة التقشف الحكومي في المملكة المتحدة، اضطرت إلى إغلاق شركتها وقررت تخصيص بقية حياتها للسفر والمغامرة.
كانت البداية مع “طواف إفريقيا للدراجات” Tour d’Afrique حيث شاركت في سباق من القاهرة إلى كيب تاون (12500 كلم، عبر 10 دول، في 100 يوم). ثم انتقلت إلى المغرب في يناير 2014 من أجل التدرب على، والمشاركة في، “ماراتون الرمال”. كان من المقرر مكوثها أربعة أشهر فقط ولم تكن تتوقع أن ينتهي بها المطاف بالاستقرار بالمغرب.
من إنجازاتها أيضا أنها أول من قام برحلة من أعلى نقطة بشمال إفريقيا، جبل توبقال (4167 كلم) إلى المحيط الأطلسي (أكادير) عبر قرى جبال الأطلس. وفي 2016-2017 صورت سلسلة “بي بي سي 2” الوثائقية “من المغرب إلى تمبوكتو: مغامرة عربية” “From Morocco to Timbuktu: an Arabian Adventure” لتحقق بذلك حلمها في بلوغ أماكن بعيدة عبر طرق الملح القديمة في رحلة ملحمية. وفي 2019، وعلى خطى القوافل التجارية، عبَرت موريسون وادي درعة من المنابع إلى المصب (1500 كلم مشيا عبر الصحراء والجبال في ثلاثة أشهر) لتكون أول امرأة تقوم بهذه الرحلة الاستكشافية.[3] قامت بالمزيد من الاستكشافات إلى حدود فبراير 2020 حيث أجبرها الحجر الصحي إثر وباء كوفيد-19 على البقاء بمنزلها بجبال الأطلس. لتستأنف استكشافاتها بعد ذلك ابتداء من غشت 2020.
من كتبها الرحلية: من المغرب إلى تمبوكتو: مغامرة عربية (2017) From Morocco to Timbuktu: an Arabian Adventure، ألف ليلة وليلتي: مغامرات من المغرب (2019) My 1001 Nights: Tales & Adventures from Morocco، ومشيا مع الرّحّل (2022) Walking with Nomads.
ألف ليلة وليلتي: مغامرات من المغرب
تستهل موريسون مقدمة الكتاب باعتذار لكل قارئ اختار كتابها آملا أن يجده مليئا بالقصص الإيروتيكية على غرار الليالي العربية. وأوضحت أن العنوان[4] يترجم عدد الأيام التي قضتها بالمغرب عندما بدأت بالتأليف:
كنت قد عشت ألف ليلة وليلة في المغرب وجمعت نفس العدد من القصص عن هذه البلاد الرائعة (…) فمن أسواق التوابل النابضة بالحياة في مراكش إلى الدروب القديمة الملتوية في فاس، وعبر أعالي جبال الأطلس المكسوة بالثلوج وصولا إلى قلب الصحراء، أريد أن أتقاسم معكم مجد كل بيئة شكّلت بيتي/وطني[5] طوال الألف ليلة وليلة الماضية.[6]
نتعرف إذن على توجه موريسون منذ الأسطر الأولى؛ فهي تعتبر المغرب وطنها ولا تضعه في خانة الآخر المتخلف الواقع على هامش الحضارة. كيف لا وهو البلد الذي اختارت الاستقرار فيه منذ 2014: “زرت المغرب معتقدة أنني سأعود إلى وطني بعد أربعة أشهر، لكنه [أي المغرب] أمسك بي ولم يتركني أغادر. مرّت أربع سنوات اليوم ولا يزال العد قائما.”[7] كما أنها كتبت في إحدى مذكراتها على موقعها في 31 مارس 2020 إثر عودتها إلى المغرب من اسكتلندا في 14 مارس[8]: “هذا وطني وأردت العودة إليه.”[9] وبعد زيارة أخرى لعائلتها بوطنها الأم تقول: “كم أشعر بالحزن. عدت إلى اسكتلندا في 3 دجنبر [2020] لزيارة والديّ بمناسبة عيد الميلاد، وفي 20 دجنبر أغلق المغرب حدوده الجوية أمام أي شخص قادم من المملكة المتحدة بسبب ظهور متحوّر جديد هنا. لا تزال الحدود مغلقة حتى الآن، نهاية ماي. كم أشتاق لبيتي ولحياتي وللجِمال.”[10]
ألف ليلة وليلتي كتاب مليء بمغامرات عاشتها الكاتبة في بلد سحرها بطبيعته وتاريخه وسكانه. كتاب يحمل بين دفتيه صورة مشرقة عن المغاربة عامة وعن المرأة المغربية خاصة. كما يقدم علاقة موريسون، ومن خلالها المرأة الغربية المغامرة، بالمغرب.
تمثلات المرأة المغربية في ألف ليلة وليلتي
صوّرت موريسون المرأة المغربية في تعددها واختلافها من خلال احتكاكها معها ومشاركتها تفاصيل حياتها، ولم تقدم بروفايلا مونوليثيا يختزل هوياتها على غرار أغلب الكتابات الاستشراقية. فرغم أنها جاءت محمّلة بصور نمطية التصقت لقرون بالمرأة المغربية ككونها أميّة، خاضعة، صامتة، سجينة، تعاني اضطهاد الإسلام والبتريركية، إلا أنها لا تذكر هذه الأوصاف وتكتفي بقول إن لقاءها بإحدى النساء في مدينة الدار البيضاء حطّم كل أفكارها المسبقة حول النساء في بلد إسلامي (165).
من الأشياء التي جعلت موريسون تفكر في الاستقرار في المغرب الحرية (النسبية) التي تتمتع بها نساؤه. تقول الكاتبة أنها عاشت قبل ذلك في كل من سوريا ومصر وسافرت كثيرا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لكنها لم تشاهد نساء يتمتعن بحرية أكبر إلا في المغرب. فهو أول بلد عربي ترى فيه فتيات يذهبن إلى مدارسهن على متن دراجات هوائية ونساء يراوغن السيارات في طريقهن إلى العمل على متن دراجات نارية (165). هو أيضا البلد حيث يمكنها القيام بما تحب كركوب الدراجة والجري دون مشاكل كثيرة (164).
قسّمت موريسون نساء المغرب إلى مجموعات وسمّت المجموعة الأولى “فئة الدار البيضاء”. وكمثال عن هذه الفئة عرّفتنا على زينب بنونة، منظِّمة ومشاركة في سباق النصف ماراتون في إطار حملة خيرية. زينب شابة في منتصف الثلاثين من عمرها تعيش لوحدها في شقة بالدار البيضاء. تلقت جزءا من تعليمها بفرنسا وتتحدث العربية والفرنسية والإنجليزية بطلاقة. زينب امرأة ناجحة مهنيا، شغوفة برياضة الجري وعضوة نشيطة بنادي الدار البيضاء للجري. تختم موريسون وصفها قائلة إنها تبدو كفتاة باريسية أو لندنية وأنها حطمت كل أفكارها المسبقة حول النساء في بلد إسلامي وأنها ترمز إلى المرأة المغربية العصرية من الطبقة الوسطى (165). ينسف هذا الوصف الخطاب الاستشراقي وصوره الكليشيهية، لكن بشكل جزئي. فمقارنة الكاتبة لزينب بفتاة من باريس أو لندن يربط التحضر والتحرر بالغرب، لا بالتطور الطبيعي للشعوب، وكأن باريس ولندن هما المعيار. لكن، مع ذلك، تبقى مثل هذه الانفلاتات قليلة جدا في النص.
الفئة الثانية التي يقدمها الكتاب هي فئة النساء المغربيات التقليديات والممثلة أساسا بنساء جبال الأطلس الأمازيغيات. مقارنة مع فئة الدار البيضاء، تقول الكاتبة أن هناك عالما من الاختلافات والتناقضات بينهما (168). وتُبرز هذا الاختلاف بالرجوع إلى الحقوق الهامة التي تضمنها مدونة الأسرة للنساء المغربيات كالحق في الوصاية والحق في الطلاق والحق في حضانة الأطفال. كما تطرقت إلى تغيير سن الزواج القانوني من خمسة عشر سنة إلى ثمانية عشر. لتشير بعد ذلك إلى بعض الثغرات القانونية في المدونة مثل زواج القاصرات المنتشر في البوادي.
لموريسون علاقة خاصة بسكان جبال الأطلس، فهم من أحب الناس إلى قلبها (81) و”إن كانت الصحراء قد جلبت[ها] إلى المغرب فإن جبال الأطلس سبب استقرار[ها] فيه (71). خصصت الكاتبة فصلا كاملا (الفصل الثالث) لجبال الأطلس عبّرت فيه عن انبهارها بحفاوة سكانها وتفنن نسائها في تقديم ما لذ وطاب في عدة مناسبات (83-6، 94، 101-3). كما أشارت إلى الاختلافات بين النساء من نفس الفئة؛ ففي بعض المنازل الأمازيغية تجلس النساء والرجال معا على مائدة الطعام بينما يأكلون بشكل منفصل في منازل أخرى (95).
نتعرّف في هذا الفصل على فاطمة، شابة في الثلاثين من عمرها تم اختيارها ضمن أخواتها لرعاية أبيها لأنها غير متزوجة. بعد أن سألتها موريسون إن كانت تفضل السهول (حيث أمها وأخواتها المتزوجات) أو القرية (حيث يعمل أبوها) تجيب أنها تفضل السهول. “أليس لديك صديقات بالقرية، فتيات في سنك تصاحبينهن وتحدثينهن؟” ” لا. كلهن متزوجات ولديهن أطفال، لذلك لا يرغبن في مصاحبتي لأنني لست مثلهن” (95). رغم أن الكاتبة لم تقم بأية مقارنة هنا، فهي تجعل القارئ يستحضر بروفايل زينب من الدار البيضاء، في الثلاثين أيضا وغير متزوجة أيضا. لكنها، عكس فاطمة، غير مستاءة من ذلك. هذه التفاصيل تجعل القارئ يُكوّن صورة متعددة الأبعاد عن المرأة المغربية، بدل الصورة الوحيدة السائدة.
تبرز موريسون هذا التعدد في مناسبات أخرى. بعد وصولها إلى إحدى القرى ببلاطو تيشكا قامت بتوزيع الحلوى على الأطفال. شكرتها فتاة باللغة الفرنسية فاندهشت: “لم أصدق ذلك. كانت الفتاة الكبرى تتحدث معي بفرنسية ممتازة. وعندما استفسرتُ أخبروني أن لديهم أستاذا للغة الفرنسية بالمدرسة” (100). مرة أخرى، لم تذكر الكاتبة أفكارها المسبقة، لكن اندهاشها تعبير على اعتقادها أن الفتيات المغربيات بالمناطق النائية لا يتمدرسن، أو أنهن يدرسن اللغة العربية فقط.
حصلت المرأة الأمازيغية على مكان في الفصل الأخير أيضا، المخصص للصحراء، من خلال مباركة، المنحدرة من الأطلس والقاطنة بالصحراء رفقة زوجها. استقبلت مباركة موريسون ومرافقتها ديبي (Debbie) بحفاوة. وبعد وجبة الغذاء وجلسة الشاي المتميزتين أحضرت مباركة مجموعة من “الملحفات” (لباس تقليدي صحراوي) وفسّرت لهما تسمياتها والاختلافات بينها وطريقة ارتدائها (263-262). وبعد ذلك أرتهما اللباس والحلي الأمازيغية الخاصة بالعروس، مسترسلة في شرح التفاصيل المتعلقة بها وطريقة ارتدائها (263). وفي الأخير، أهدتهما بعض “الملحفات”. استمتعت الكاتبة ورفيقتها كثيرا وجعلتها حفاوة مباركة وعائلتها تحس أنها في منزلها/وطنها (I feel completely at home) (264). وأنهت فصلها وكتابها كالآتي: “قلبي ممتلئ. أنا في المغرب.” (265)
أدرجت الكاتبة فئة ثالثة من النساء المغربيات. فئة تجمع بين الأصالة والمعاصرة ممثلة في حياة، صاحبة الشقة (الطابق الثالث) التي اكترتها بمدينة الصويرة. كانت حياة، التي تصغر موريسون بسنة فقط والتي تقطن في الطابق الأول من نفس البناية صديقة حميمة لموريسون. لهما نفس وجهات النظر والمبادئ وحس الفكاهة، رغم أن حيواتهما مختلفتين للغاية كما تقول موريسون (206). تضيف:
حياة هي، بالنسبة لي، المثال الأكبر للاختلاف الذي كنت سأكون عليه لو أنني وُلدت في مكان آخر، هي أيضا تجسيد لمدى ارتباطنا ببعض كبشر بغض النظر عن الثقافة والتربية. حياة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. تلقّت تعليمها إلى حدود المرحلة الثانوية وتزوجت في أوائل العشرينات من عمرها (…) ثم قامت بتربية بناتها. هي مسلمة ملتزمة تصلي بشكل يومي وتحترم حدود عقيدتها.” (222)
هنا يبرز الائتلاف رغم الاختلاف، كما يظهر هذا الأخير على أنه أمر طبيعي ولا يعني وجوب التفرقة والتعالي كما في العديد من النصوص الرحلية الاستشراقية.
لا تظهر المرأة في الكتاب إلا بعد الصفحة 163، أي بعد ثلاثين صفحة من منتصف الكتاب؛ فهو يسرد بالأساس تفاصيل ماراتون الرمال وتدريباته، ويضم مقاطع عديدة تعالج تاريخ مختلف مناطق المغرب. مع ذلك، احتلت تيمة المرأة مكانة محورية في الكتاب الذي قدّم المرأة المغربية في تعددها واختلافها.
المرأة الغربية في المغرب
خصصت الكاتبة خمس صفحات للإجابة عن سؤال تكرر على مسامعها منذ أن أتت إلى المغرب: “كيف تعيشين بالمغرب بصفتك امرأة؟” تجيب مبدئيا أن مسألة الاختلاف بين الجنسين ليست حكرا على المغرب، بل هي مسألة عالمية: “بالطبع، العيش هنا كامرأة مختلف عما سيكون عليه الأمر لو كنت رجلا، لكن هذا ينطبق على كل مناطق العالم تقريبا.” (166) تضيف أن الجواب على هذا السؤال صعب وذاتي ومرتبط بعوامل أخرى عدا الجنس كالعمر، ونوع الشخصية، والمال واللغة. فكونها امرأة في الخمسينات من عمرها يجلب لها الوقار ويجنّبها التحرش الجنسي، وتوفرها على المال يسهّل تنقلها واكتشافها لمناطق عديدة، وإتقانها للغة العربية مع تعلمها للغة الأمازيغية يجنّبها الإحساس بالتوتر الناجم عن جهلها ما يجري حولها كما أنه يفتح لها كل الأبواب. أما عن نوع الشخصية فتقول موريسون أن كونها منفتحة وفضولية بعض الشيء يدفع بها إلى الخروج من منطقة الراحة comfort zone إلى الاكتشاف.
وعن عامل الجنس، تقول الكاتبة أنها، على المستوى السطحي، فقد قامت بتعديلات في سلوكها كتغييرها لطريقة لبسها احتراما لخصوصية المجتمع المغربي، وأنها، على مستوى أعمق، تأثرت بقلة صديقات مغربيات يشاركنها نفس الاهتمامات (المشي والجري وركوب الدراجة الهوائية). فزينب ومثيلاتها يشكّلن أقلية وأغلب النساء المغربيات فوق الثلاثين يهتمن بأطفالهن وعائلاتهن ولا يمكنهن المشي أو الجري معها أو قضاء بعض الأيام في الجبال (167). أما بالنسبة للأصدقاء من الرجال فالأمر أصعب بسبب نظرة المجتمع للأمر وقلقهم الدائم بخصوص السمعة (100، 167). وتؤكد مرة أخرى أن فئة الدار البيضاء تُشكل أقلية بهذا الخصوص أيضا.
لكن، عموما، ترى موريسون أن كونها امرأة في سنها في المغرب تجربة ممتعة للغاية وأن هناك عدة مزايا لذلك، منها حصولها الدائم واللامشروط والفوري على المساعدة إضافة إلى مناداتها ب “لالة”، اللقب الحامل للكثير من الاحترام (168).
تركيب
قدمت موريسون وجها مشرقا للمرأة المغربية. وليس المقصود بالوجه المشرق هنا ذكر مزاياها فقط أو تقديم نقيض للخطاب الاستشراقي الذي يركز على الجوانب السلبية ويضخمها ويعتبر الاختلاف خروجا عن القاعدة، وبالتالي، يضع الآخر في مرتبة دونية. ليس المقصود كذلك الوصف الموضوعي؛ فالكاتبة تنقل في سردها دهشتها وانبهارها بجوانب عديدة من الثقافة المغربية عامة كالوقار والحشمة وثقافة التقاسم والحفاوة والكرم. ولكن المقصود هو حرص موريسون على تقديم المرأة المغربية في تعددها واختلافها رغم قلة الصفحات المخصصة لذلك، ليتعرّف القارئ (الغربي بالخصوص) على بدائل الصورة المونوليثية السائدة للمرأة المغربية والشرقية تعميما: الفتاة البدوية المتعلمة، المرأة المثقفة، الرياضية، الناجحة مهنيا، المستقلة، المحتشمة، المعطاءة والطيبة.
——————————————-
المصادر
Morrison, Alice. My 1001 Nights: Tales and Adventures from Morocco. Simon and Schuster, 2019.
https://alicemorrison.co.uk/ (موقع أليس موريسون الرسمي)
المراجع
كتب
Adams, Percy G. Travel Literature and the Evolution of the Novel. Lexington, Ky.: UP of Kentucky, 1983.
Korte, Barbara. English Travel Writing from Pilgrimages to Postcolonial Explorations. Palgrave Macmillan, 2000.
Pratt, Mary Louise. Imperial Eyes: Travel Writing and the Transculturation. London: Routledge, 1992.
Said, Edward. Culture and Imperialism. New York: Vintage Books, 1993.
____________. Orientalism. London: Penguin Books, 1995.
استجوابات
Donnellan, Fiona. https://girloutdoormag.com/post/interview-adventurer-alice-morrison , 08-03-2019
Morrison, Alice. https://www.youtube.com/watch?v=YRF6hwqR_V0 06-03-2019
National Geographic. https://www.nationalgeographic.co.uk/travel/2019/06/meet-adventurer-alice-morrison 25-06-2019
Run Body Run. https://runbodyrun.com/alice-morrison-sahara-interview/ (video)
Wig Town Book Festival. https://www.wigtownbookfestival.com/blog/alice-morrison-interview 27-09-2019
Ziba Adventures. https://www.zibaadventures.com/portfolio/alice-morrison/
[1] كشفت كورت (Korte) في مؤلفها الكتابة الرحلية الإنجليزية: من رحلات الحج إلى الاستكشافات مابعد كولونيالية (2000) عن تكثيف تدريجي للمكوّن الذاتي في السرود الرحلية عبر القرون ووصفت بعض الكتابات الرحلية لأواخر القرن العشرين، مثل كتابات بروس شاتوين (Bruce Chatwin)، على أنها مهووسة بمفهومي الهوية والانتماء في علاقتهما بالسفر.
[2] https://alicemorrison.co.uk/about-alice-morrison/
[3] للمزيد من التفاصيل عن هذه الرحلة الاستكشافية انظر مدونة أليس موريسون الموسومة ب “أين ذهب كل الماء؟” (Where has all the water gone?)، 24-03-2019. https://alicemorrison.co.uk/where-has-all-the-water-gone/
[4] صدرت النسخة الثانية للكتاب سنة 2020 تحت عنوان مغامرات في المغرب: من الأسواق إلى الصحراء.
[5] من ترجمات كلمة “home” من الإنجليزية إلى العربية “بيت” و”وطن”. وتحيل هذه الجملة، وجمل أخرى في النص، إلى المعنيين معا.
[6] Alice Morrison. My 1001 Nights: Tales and Adventures from Morocco. Simon and Schuster, 2019. P. 2.
[7] Ibid. p 5.
[8] تزامنت عودة موريسون إلى المغرب مع تسجيل أول وفاة بسبب كوفيد-19 في اسكتلندا في 13 مارس ومع إعلان الحجر الصحي بالمغرب بعد خمسة أيام.
[9] https://alicemorrison.co.uk/corona-lockdown-in-morocco/ , 31-03-2020.
[10] https://alicemorrison.co.uk/two-go-wild-with-alpacas/ , 20-05-2021.
رباط الكتب مجلة إلكترونية متخصصة في الكتاب وقضاياه