الثلاثاء , 4 أكتوبر, 2022
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » مفهوم الواقع في كتاب: وتحملني حيرتي وظنوني، سيرة التكوين

مفهوم الواقع في كتاب: وتحملني حيرتي وظنوني، سيرة التكوين

يبتدئ كتاب الأخ سعيد* بكلمة «حيرة» وينتهي باقتباس لنيتشه يؤكد فيه أن اليقين، وليس الشكّ، هو الذي يقود نحو الجنون. يعني ذلك من بين ما يعنيه أن المؤلِّف لا يحاول أن يدافع هنا عن حقيقة اهتدى إليها عبر مساره الفكري، بقدر ما يسعى إلى أن يتتبّع هذا المسار بما طبَعه من حيرة، وما تخلّله من شكوك، وما اعتراه من تقلّبات، وما لاقاه من عثرات، وما صادفه من مفاجآت، مع ما ترتّب عن ذلك من مراجعات لم تنفكّ تتمّ.

كل قراءة لهذا الكتاب تستوقف صاحبه عند محطّة بعينها، واعتقاد بنفسه، وفكرة بذاتها، ربما لن تكون ملائمة. ذلك أن المؤلِّف لا يدافع هنا عن موقف بعينه بقدر ما يحاول أن يرسم مسيرة فكرية متقلّبة، أو لنقل على الأصحّ، أن يرصد الخيط الخافت الذي يربط مختلف المحطّات التي شكلت مسار تكوينه، والمنطقَ الخفيّ الذي تحكّم في ذلك المسار.  وهو نفسه يعفينا، في كثير من الأحيان، من أن نأخذ عليه رأيا بعينه فيستبقنا إلى مراجعة ما سبق أن أكّده و«آمن» به، أو توهّم ذلك على الأقل. فيشعرنا عند كل صفحة يطويها أنه يعيد النظر جذريا في ما تلقاه وما خبره كي يبدأ انطلاقة ما تفتأ تتجدّد.

تعكس هذه السيرة الفكرية روح صاحبها بما يُعرف عنه من صدق أخلاقي، ونقاوة سريرة، وصفاء ذهن. هذا ما يعطي لهذا الكتاب ما يمكن أن نسمّيه «نفحة فلسفية». تكاد السيميائيات تصبح عند الأخ سعيد فلسفة حياة. نقرأ في ص. 187-188: «لم تكن النظريات عندي مجرّد كمّ معرفي مودَع في الكتب، أو مبادئ تُلقى على الطلبة في المدرجات، لقد كانت رؤية للعالم، إنّها دفاع عن قيم أو دعوة إليها». نحن، على حدّ قول المؤلف، أمام «ما يشبه سيميائيات قادرة على احتضان الهمّ الإنساني». وسيطلق «صديقه إدريس جبري، سنوات بعد ذلك، على هذه المحاولة:”السيمياء المناضلة”». كما نقرأ في 255-256: «أنا لست ممن يعلنون عن المواقف المبدئية الكبرى، أنا أقتفي آثار التخلف والجهل والتعصّب الديني في مظانّه الأولى، أي في ما يسكن البديهي في حياة الناس: في لباسهم وصورهم ووقائعهم اليومية وردود أفعالهم. فالإيديولوجيا ليست نسقاً فكرياً متعالياً، إنها، على العكس من ذلك، تتغذّى من السّلوك اليومي، وتختفي في العرَضي والمألوف الذي لا يثير الشّبهات».

نحن إذن أمام «فلسفة» تؤول إلى «سيميلوجيا للحياة اليومية» وتحاول أن تكشف عن الآليات اللاشعورية التي تغذي يوميّنا. ما أبعدنا إذن عن عين الناقد الإيديولوجي الذي يتوخى أن يفضح الأوهام باسم حقيقة بعينها، فنحن أقرب إلى عين المحلل السيميلوجي الذي يرصد آليات توليد المعاني، تلك المعاني التي تدخل في منظومات يكون على الدارس الكشف عن قوانينها، وتندرج في بنيات يكون عليه إبراز قواعد لعبتها، وضبطها وهي تتولد في معمعة اليومي.

ذلك أن هذه المعاني التي تتولد عن اللامعنى، سرعان ما تعمل الحياة اليومية على أسطرتها( بتعبير بارت) وجرّها نحو الثّبات والإطلاق فتنسى اعتباطيتها، وتتقنّع في مفهومات تزعم الضّرورة والكلية، وسرعان ما تسكن السّلوكات اليومية والتصرّفات «العادية»، فتسعى نحو الترسّخ والمحافظة والتّقليد. ومهمة السيميولجي-الفيلسوف هي التصدّي، لهذه الأَسْطَرَة، وفضح  اللعبة التي تسعي لأن تحوّل ثقافة طبقة بعينها إلى طبيعة كونية على حدّ قول بارت.

هذه النفحة الفلسفية المتشككة التي تجعل الانتقاد سيد المواقف من شأنها ربّما أن تسمح لنا لا أن نعيب على الأخ سعيد فكرة بعينها، وإنّما أن نقف على بعض المفهومات التي قد تبدو متعثرة في الكتاب، ونكشف تلك المفهومات الغائبة عنه. ولكي لا نتجاوز الوقت المسموح، أستأذنكم، وأستأذن الأخ سعيد بصفة خاصة، أن نتوقف معه عند استعماله لمفهوم واحد في هذا الكتاب هو مفهوم الواقع، وعند الثنائيات التي يوظفها في شأنه كالثنائية واقعي/خيالي، واقعي/ أسطوري، واقعي/ افتراضي. سأسعى إلى أن أبرز نوعاً من المفارقة التي تحضر في الكتاب في شأن هذا المفهوم، وما ترتّب عن ذلك في تفكيك تلك الثنائيات.

في كثير من مقاطع الكتاب يقدم لنا الأخ سعيد واقعاً لا يفـتأ تغلّفه الأسطورة، ويعْلق به الوهم ويتخلله الخيال، وينسجه الافتراضي. فنحن نقرأ في ص37 على سبيل المثال: «لم يكن الرعد رعدا ولا البرق برقا، ولم يكن قوس قزح ظاهرة طبيعية، كما يقول العلماء. فهذه الظواهر كانت لها عند جدّتي قصّة أخرى، فهي إحدى تجليات الألوهة في السّماء. فما كان يجري في تلك اللحظات عندها هو معركة حقيقية بين الإيمان والكفر». ليستنتج في ص 37-38: «لقد عاشت بالحكايات وماتت داخلها، ولم تر من الواقع سوى ما كانت تسمح به كائناتها من الإنس والجن». هذا الواقع المغلّف المصبوغ هو ما كان ماركس يعنيه عندما كان يميّز بين العين الفسيولوجية والعين البشرية، وهو الذي يفترضه نيتشه صاحب المنظورية Perspectivisme، وهو الذي يعنيه أيضا موريس غودوليي عندما يقول: «إن الأسطورة ليست خيالاً إلا عند من يدرسها، أما بالنسبة لمن يعيشها، فهي الواقع، وكل الواقع»، وهو الواقع نفسه الذي يشير إليه لوك فيري الذي يقتبس منه الأخ سعيد نصّا لا يختلف كثيراً عما قاله غودوليي: «إن العالَم في الأساطير ليس موضوعاً يجب معرفته، بل هو واقع يجب أن نعيشه، فالغاية من هذه المحكيات ليست الوصول إلى حقيقة ما، بل إعطاء الوجود الإنساني دلالات ممكنة، ومحاولة معرفة كيف يمكن أن تكون حياة الإنسان ناجحة داخل عالم منسجم» (ص 162).

هذا الواقع ذو الكثافة السيميولوجية هو دوماً واقع مسمّى، أي إنه واقع لا تكتفي فيه الكلمات كما يقول الأخ سعيد، بأن تسمّيَ العالم و«إنّما توسّع من ذاكرته» (ص 51)، فـ «العالَم يُروى في وجداننا». لا عجب أن يصبح «النصّ السردي في هذه الرؤية هو الحياة ذاتها» (ص 166).

ليس هذا المفهوم عن الواقع الذي يفكك كل تلك الثنائيات التي أومأنا إليها، بالمعنى العميق لكلمة تفكيك، أي الذي يجعل كل طرف من طرفي الثنائي هو الآخرَ ذاتَه في إرجائه، ليس هذا المفهوم هو الوحيدَ الذي نعثر عليه في كتاب الأخ سعيد، وإنّما هناك مفهوم آخر. نقرأ في ص 33: «كان كل شيء يأتي إلى العين خارج الوسائط….لم تكن آليات التّسويق هي ما يوجّه سلوكنا الاستهلاكي…كانت الحاجات تقاس بما يتاح لا بما تغري به الصور أو توهم به…فنحن نرى الواقع كما هو غير مزيد ولا معدّل، كنا نتعرف على الواقع مباشرة». وعندما يتحدث الكتاب عن الوعي المزيّف الذي بدأ الآن ينتشر بين الأجيال الجديدة، يقول: «كان كل شيء حسياً في حياتنا، لا وجود لوهم بصري»(ص 35). وفي ص 308: «لم تعد الحياة تقاس بما يمكن أن يقع فعلاً في الواقع، كما كانت قديماً، بل أصبحت تقاس أيضاً بما يمكن أن يقال أو يصوّر في الفضاءات الافتراضية».

يُضمِر هذا الاستنكار مما يطبع مجتمع الفرجة إغفالاً للآلية التي تتحكّم في ذلك المجتمع، ولمفهوم الفرجة ذاته من حيث إنه ليس مجرد ديكور ينضاف إلى العالم الواقعي. ذلك أن الفرجة ليست مجموعة من الصور، و«إنما علاقة اجتماعية تتوسطها الصور». إنها لبّ «لا واقعية المجتمع الواقعي» كما يقول صاحب كتاب «مجتمع الفرجة». الفرجة واقع فعلي معيش، إنها «الواقع الذي تتحوّل فيه كل حياة إنسانية إلى مظهر».

بل إن الأخ سعيد يذهب بهذا الاستنكار إلى أبعد الحدود فيعيب على مجتمع الفرجة كونه «لا وجود فيه لفواصل بين السلوك الفعلي وبين ما يُبنى في المتخيل، ولا وجود أيضا لفواصل بين الأصل والنسخة، وبين الحقيقي والمزيف. إن المزيّف ذاته أصبح حقيقة، ذلك أن التشبّه أصبح رديفاً لعنصر واقعي يتحقق عبر نماذج لا أصل لها في الواقع ولا سند لها» (بودريار) ص 308.

هذه الإشارة إلى بودريار، وهذا الاستنكار لعدم وجود فواصل بين الأصل والنسخة ينبهنا إلى غياب مطلق في هذا الكتاب لمفهوم أساس في الفكر المعاصر هو مفهوم السيمولاكر الذي يضعنا في عالم تكفّ فيه الصورة عن أن تكون ثانوية بالنسبة للنموذج، و يقدّم لنا عالماً يكون فيه للخدعة نصيب من الحقيقة والفعل والفعالية، بل من الوجود الفعلي، كما بين فوكو. ذلك أن «القدوم المتآني للذات والآخر»، وهو التحديد الذي يُعطى اليوم لمفهوم السيمولاكر، يعيّن العالم كلعبة مرايا، أي إنه يقدم لنا عالما لا مركز له ولا تضمّه وحدة. والأهم من ذلك، أنه يجعله، على حد تعبير بلانشو، «ومضات لا تنتهي يحتجب فيها، في إشراقة اللفّ والدوران، غياب الأصل». يتمخّض عن ذلك أنّ هذا العالم الذي يسكن فيه الآخر الذات، ولا يكون إلا بعد الذات عن نفسها، هو عالم التجدّد اللامتناهي، وعالم البدائل والنظائر Les doubles. إنه إذن عالم لا وجود فيه للشيء إلا في عودته، إلا من حيث هو نسخة من نسخ لا متناهية، إلا من حيث هو صورة. كأنما لا وجود هنا في النهاية لا للصورة الأصلية ولا للنسخة المطابقة، وإنما لقوة إيجابية فعالة هي آلية الاستنساخ ذاتها.

الخيار الذي أعتقد أن كتاب الأخ سعيد يضعنا أمامه في نهاية الأمر هو: إما أن نسلّم، بدءاً، بالواقع الخام، ونقول، في عالم الدلالات، بالمعنى الأوّلي  dénotationوالواقع المحال إليه Le référent، أو أن نعتبر، على العكس من ذلك، مع بارت، بأن المعنى الأوّلي هو مفعول للمعاني الثانوية Connotations وأنه «ليس إلا أسطورة علمية، تلك التي تقول بوجود حالة «حقيقية» للغة، كما لو أن كل جملة لا بدّ وأن تتضمن أصلاً اشتقاقياً هو حقيقتها» (بارت).

ما يذهب إليه بارت هنا يعتمد أساساً على نظرية الاشتقاق اللغوي عند نيتشه. ذلك أن معنى الاهتمام باللغة عند صاحب الجنيالوجيا هو نفي الإحالة، نفي الواقع الخام. فالقول بالواقع الخامّ هو إنكار للكثافة التأويلية، وهو قول بحضور المعنى، ونفي لخبث العلامات والدلائل. إن الدال عندما يحيل، لا يردّ إلى واقعة وإنّما إلى دالّ آخر. في هذا المعنى يقول نيتشه: «إنّ ما يهمنا هو معرفة الكيفية التي تُسمى بها الأشياء لا معرفة ماهيتها. فما يشتهر به شيء ما، أكان اسمه أو مظهره أو قيمته أو قياسه أو وزنه، كل هذه الأمور التي تنضاف إلى الشيء بمحض الصدفة والخطأ، يشجعنا على ذلك تناقلها من جيل لآخر، تصبح بالتدريج لحمة الشيء، ويتحول ما كان مظهراً في البداية إلى جوهر، ثم يأخذ في العمل كماهية». لعل هذا بالضبط هو ما يقصده الأخ سعيد عندما يقول بأننا «عندما نسمي العالم نوسّع من ذاكرته. »(ص 51).

وبعد..

دفعتني حيرة الأخ سعيد، وصدقه الفكري، إلى أن أحاول الذهاب معه وبفضله، إلى حدود بعيدة تسمح لي كقارئ لهذا الكتاب أن أشارك المؤلّف همومه الفكرية، وتشكّكه الملازم الذي يجعل كل ناقد على استعداد دائم لأن يراجع نفسه، ولمَ لا؟ أن ينبهه قراؤه، هو كذلك، إلى ما أغفله وما ظنّ أنه توصّل إليه، أن ينبهوه هو كذلك إلى «حيرته وظنونه».

 

————–

هامش

*سعيد بنـﮕراد، وتحملني حيرتي وظنوني، سيرة التكوين، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء-بيرو

- عبد السلام بنعبد العالي

أستاذ باحث في الفلسفة

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.