الأحد , 5 فبراير, 2023
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » المركزية الأوروبية على محك العالم في القرن التاسع عشر

المركزية الأوروبية على محك العالم في القرن التاسع عشر

بيير سينغارافيلو وسيلفان فينير، تاريخ العالم في القرن التاسع عشر، نسق الترجمة وراجعها، محمد حبيدة، مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، الدار البيضاء، 2020.

تظهر أوروبا، وقد تموقعت في وسط الخرائط المتداولة، حائزة على قلب العالم جغرافيا. حيث سعى علماؤها لرسم الإحداثيات وتحديد المجالات عبر خطوط ومدارات بطرق مبتكرة وحديثة، تلائم الطموحات والتطلعات، في زمن بدت فيه متفوقة عدديا، إذ انتقل وزنها الديموغرافي من “خُمس ساكنة الأرض عام 1800 إلى الربع عام 1900، مؤكدة هيمنتها السياسية والاقتصادية على بقاع شاسعة في إفريقيا وآسيا وأوقيانيا (…) ولما انتشرت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر مقولة “حضارة”، فإنها كانت تخدم أوروبا في المقام الأول، حيث كان الناس يتصورون أنفسهم، أكثر، فأكثر سائرين عن طيب خاطر في طليعة العالم، في موكب من الشعوب، يمثل مجرى التاريخ”[1].

فهل فعلا حازت أوروبا الريادة خلال هذه الفترة، وقادت موكب الشعوب الأخرى نحو مدارج “التقدم”  ومسالك “التفوق”، أم أن الصورة ربما كانت خادعة، حيث تظهر القارة العجوز في خلفيتها تتهيأ،  وهي في عز قوتها، لتُسَلم مشعل هذه العملية لمراكز قوة أخرى صاعدة على خريطة العالم غربا وشرقا؟

لكن قبل ذلك هل القرن التاسع عشر، الحاضن لهذا التحول النوعي، والذي شهد تغيير وجه العالم على مستويات عدة، كان قرن تحول بامتياز في المطلق، أي من بدايته إلى نهايته، أم يتعلق الأمر بمائة سنة من تاريخ العالم يتمايز نصفها الثاني كثيرا عن شطرها الأول؟ يجيب كريستوف شارل بالقول:” عوض أن نتكلم عن “عالم القرن التاسع عشر”، يستحسن الحديث عن عوالم قرن تاسع عشر مزدوج، حيث تقع النقلة بالنسبة لمعظم الفضاءات خلال عقد 1860(…).  وتتضح هذه الفجوة بين القرن التاسع عشر الأول والقرن التاسع عشر الثاني في كل المجالات تقريبا: الهجرات والتصنيع والتمدن والتربية والتقدم الطبي الأول ضد الأوبئة الكبرى والتعمير وتأكُّد الأفاق السياسية الجديدة وتجدر اليوتوبيات الطوعية (الاشتراكية والحركة النسائية والتعاونيات)، ومظاهر الخلاص الديني والقومية الآسيوية والإفريقية”[2].

يكشف كارل بولانيي مستويات هذه الفجوة وتجلياتها بوضوح: “ففي الجزء الأول من القرن كانت الحروب الأهلية والتدخلات مع الثورات أو ضدها هي الأمر السائد حينئذ، ففي إسبانيا اجتاح مائة ألف جندي بقيادة دانغولم مدينة قادمش، وفي هنغاريا هددت الثورة البحرية بهزيمة الإمبراطور نفسه في معركة ضارية لم تخمد إلا بتدخل جيش روسي يحارب على التراب الهنغاري. كما أن التدخل المسلح في البلدان الألمانية وبلجيكا وبولندا وسوسيرا والدنمارك والبندقية كان سائدا في بلدان الحلف المقدس.

وفي النصف الثاني من القرن انطلقت ديناميات التقدم، فتجزأت الإمبراطورية العثمانية والمصرية والشريفية أو انهارت. واضطرت القوات الغازية الصين إلى فتح أبوابها للأجنبي، وبحملة صيد ضخمة جرى تقسيم قارة أفريقيا. وفي الوقت نفسه صعدت إلى المستوى العالمي: الولايات المتحدة وروسيا. وتحققت الوحدة القومية لألمانيا وإيطاليا، واتخذت بلجيكا واليونان ورومانيا وصربيا وهنغاريا أماكنها أو عادت إليها كدول مستقلة على خارطة أوروبا. وتزامنت سلسة من الحروب المكشوفة والمستمرة مع تقدم الحضارة الصناعية في مواقع الحضارات البالية للشعوب البدائية (…). وبينما كانت النُظم الدستورية ممنوعة  في الجزء الأول من القرن والحرية مكبوتة من قبل الحلف المقدس تحت اسم السلام، فإن الدساتير في النصف الثاني من القرن- باسم السلام أيضا- تُفرض على الطغاة والمتمردين من قبل أرباب البنوك وذوي الذهنية التجارية”[3].

نعود لتدقيق السؤال السابق، في ظل الطفرة التي تبدو شاملة إبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر الأوروبي، لنبحث مع مؤلفي “تاريخ العالم في القرن التاسع عشر”، في ما إن كانت العولمة الـمُبشَّرِ بها أوروبيا عصرئذ معبرة  فعلا عن مركزية أوروبية بنواة صلبة تدور مختلف بلدان الكون حولها، أم  تعلق الأمر ببداية اهتزاز لتوازن القوة كنظام مهيكل على المقاس البريطاني، تحللت معه مراكز القوة الأوروبية بالتدريج، وتقزمت معه جغرافية الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، لفائدة مراكز قوة  جديدة؟

  1. في الوعي بمزالق المركزية الأوروبية

قد يقودنا الفضول المعرفي إلى الانتباه إلى أمرين قد يظهران ثانويين، بيد أن تأملهما في ضوء محاولة فهم طرح فكري معين قد يجعلهما مصدرين أساسيين لتقديم عناصر تفسير مهمة. يتعلق الأمر بسِنِّ أو عُمُرِ منسقي هذا المنجز العلمي، تاريخ العالم في القرن التاسع عشر، واههتماماتهما العلمية من جهة، وعدد المساهمين في هذا العمل الضخم من جهة ثانية.

فبيير سينغارافيلو وسلفيان فينير من موالد السبيعينيات من القرن الماضي، أي أنهما ينتميان إلى جيل أو تيار ما بعد الاتجاهات الفكرية الكبرى؛ ما بعد الكولونيالية، وما بعد البنيوية، وما بعد اللاكانية (نسبة لجاك لاكان)، وما بعد الحوليات، وما بعد الحداثة… جيل المنعطفات (المنعطف اللساني، المنعطف النقدي…). واهتمام الأول بالإمبراطوريات الاستعمارية، والثاني بتاريخ الذهنيات والتمثلات لاشك أنه قادهما معا إلى فهم مجدد للتاريخ، وإلى توسيع منظارهما لتاريخ العالم.

ربما يبدو تأثرهما بمناخ عصرهما ونحتهما دروبا بحثية مجددة بشكل فردي شيئا عاديا، وإن كان مطلوبا ومحبوبا، بيد أن عنصر التميز والتفرد في تجربتهما يكمن في قدرتهما على  تنسيق عمل جبار حول تاريخ العالم بمعية حوالي مائة مؤرخ من جامعات وجنسيات مختلفة، برؤية مغايرة للسائد والنمطي والمتداول في الغرب حول تاريخ العالم، أي بحذر منهجي جلي، عنوانه الأبرز التوجس من السقوط في نزعة المركزية الأوروبية، التي لا ترى بقية العالم إلا من خلال ذاتها. بمعنى أنهما نسقا عملا جماعيا وأدارا مشروعا ساهم فيه العشرات من الباحثين مختلفي التكوين، وحرصا فيه ليس على عدم التفريط في الخيط الناظم بين مواده المختلفة المواضيع والمتفاوتة الأحجام فقط، بل، وربما هذا هو الأهم، أن روح العمل حافظت على تناغم في الرؤيا والطرح والمقاربة، كما لو أننا أمام كتاب جماعي ضخم بخط تحريري واحد ومحدد وواضح.

لم يتردد منسقا العمل في الدفاع عن هذا النَفَس “الثوري” المؤطر للخط التحريري لهذا الكتاب الجماعي، والذي فعفع الكثير من اليقينيات وزعزع الكثير من المسلمات والأحكام المسبقة في الغرب حول سيرورة تطور البشرية، والانتصار لمقاربة الإسهام الجماعي فيها بعيدا عن كل  إدعاء بأحادية أوروبية أو سبق حضاري أو احتكار لحداثة على المقاس.

لذلك طرحا في تقديمهما للكتاب أسئلة تتجاوز الأخلاقي والسياسي على هذا المستوى، لترقى إلى ما يتصل بالضمير المهني والنزاهة الفكرية للمؤرخ: “قد يكون من السهل، انطلاقا من حاضرنا، تحديد “حداثات” بديلة بالقياس إلى تلك التي اعتدنا نعتها بهذا الاسم. لقد توقفنا، منذ مدة، عن النظر إلى “الأنوار” اليابانية (بونماي كايكا) كونها النتيجة الوحيدة في الأرخبيل لظهور الحداثة الأوروبية والأمريكية. لكن، ألا يمكن أن نفهم أيضا جهود موشوشي ومونشيوا لإلغاء عقوبة الإعدام في مملكتي سوتو وبارلونغ بإفريقيا الجنوبية، كشكل من أشكال الحداثة، في وقت كانت فيه الحكومات التي تعتبر نفسها متحضرة تشنق المدانين وتعدمهم بالمقصلة؟ (…). هذه الأسئلة ليست فقط أخلاقية أو سياسية، بل تكشف في المقام الأول عن بعض النزاهة الفكرية. لا يمكن اختزال تاريخ العالم في القرن التاسع عشر في تاريخ للحداثة، ولا تاريخ العالم في القرن الخامس عشر في تاريخ للنهضة. الحداثة زمن الشاعر الفرنسي بودلير هي نفسها نهضة الآداب والفنون زمن الإنسانوي الإيطالي ألبيرتي: نظرة مقيدة ببعض المجتمعات، أو بالأحرى ببعض جماعات هذه المجتمعات. مثير حقا أن ندرس وجهة النظر هذه، لكننا لا ندعي القيام بجولة عبر العالم، أو حتى محاولة ذلك”[4].

لقد تطلب الأمر تجديدا في المقاربة وشجاعة أدبية لمواجهة تراكم اسطوغرافي سميك ووازن محكوم  بالمركزية الأوروبية، والأهم نزاهة فكرية استجابة لضرورة علمية أكثر منها أخلاقية، ولو أن الأمر يبدو أشبه ما يكون بإنصاف وإعادة اعتبار من طرف المؤرخ. “تتطلب كتابة تاريخ العالم في القرن التاسع عشر أن نتحرر من هذه النظرة القديمة التي عليها أن تكون بالنسبة للمؤرخين الأوروبيين كما كانت عليه دائما، أي نتاج أسطورة ذات زمان ومكان محددين. هذا عمل جبار، لكن في بدايته ربما، والذي يستند إلى ضرورة علمية أكثر منها أخلاقية، لأن تاريخ العالم، لكي يكون تاريخ الجميع، عليه أن يجتهد في الإنصات لجميع الأصوات وإدراكها”. (ص19).

لم تكن مهمة تهشيم صخرة هذه الأسطورة بالأمر الهين، إذ كان القرن التاسع عشر، هذه الحقبة التي ترتبط في الأذهان بهيمنة بعض الدول الأوروبية، حسب كريستوف شارل: “موضوع دراسة كثيفة من قبل المؤرخين الأوروبيين ثم الأمريكيين، وفق مركزية القارة العجوز، بينما انطلقت الدراسات حول مناطق العالم الأخرى من نظرة مشتقة من هذه المركزية المفترضة. حاولت فصول “تاريخ العالم في القرن التاسع عشر” الرد على التحيز الإسطوغرافي الموروث، لكن المؤلفين لم يجدوا، مع ذلك، بُدّا من الاستناد إلى البحوث الأساسية التي، إذا ما أحصيناها كاملة، تشير إلى هذا الخلل الأصلي، ذلك أن المدارس التاريخية لها يدٌ في هذه المسألة، كون أن الأوروبية منها هي الأكثر عددا وإنتاجية، بفضل توفرها على أحسن الظروف الجامعية والفكرية التي تسمح بتعدد البحوث والدراسات وتوزيعها (…). لا يمكن لهذه الهيمنة الرمزية الراسخة منذ أزيد من قرن أن تنقلب بقرار طوعي أو باتزان في الحديث(…). هذه العملية تستغرق بعض الوقت، وتسير على نحو متفاوت، وفقا للتخصصات ولمناطق العالم”. (ص 875-876).

كما أن المنحى الذي اتخذه المسار القومي الفرنسي انطلاقا من ثمانينيات القرن الماضي قد أرخى بثقله في هذا الصدد، خاصة بالنسبة للمساهمين الفرنسيين في هذا الكتاب، وهم كُثُر،  والذين وجدوا أنفسهم “سجناء التمثل الذاتي الذي صنعته فرنسا والمؤرخون الفرنسيون حول بلدهم ومكانته بالأمس واليوم (…) ومن المظاهر الرمزية لهذه الأزمة صدور كتاب فيرناند بروديل “هوية فرنسا” عام 1986، وسلسلات “تاريخ فرنسا” التي صدرت بأقلام مؤرخين مرموقين، خاصة تلك التي أشرف عليها جورج دوبي لدى دار النشر هاشِيتْ، وأيضا المجلدات السبعة التي رأت النور على يد بيار نورا تحت عنوان “مواقع الذاكرة”، ]والذي[ لم يعمل حتى على وضع فرنسا في سياق التاريخ الأوروبي(…)، فبالأحرى في سياق عالمي(ما عدا حينما يتعلق الأمر بذكر “المستعمرات” ذكرا عرضيا)”. (ص 876-877).

وإذا ما اعتبرنا المستعمرات بمثابة مرصد جيد لدارسة العالم بصورة مغايرة (ص 20)، فمعنى ذلك ليس فقط توسيعا للمنظار في رؤية عوالم القرن التاسع عشر، بل قلبٌ للمعادلة القائمة سابقا رأسا على عقب، أو بلغة أدق نسفٌ للمركزية الأوروبية.  وحتى لا تبدو العولمة الــمُبشر بها أوروبيا كما لو أنها خَلقت من عالم القرن التاسع عشر لوحة متناسقة، اتجهت أطروحة الكتاب إلى اعتماد مقاربة الفسيفساء المعبرة عن الاختلاف والتعدد والتنوع في شكل مشاهد ومجسمات، مقترِحة “قراءة تقدم للعقل ما يقدمه الرسام للعين”. (ص 21-23).

هكذا جاءت أبواب الكتاب محكومة بهذا الهاجس المنهجي؛ فراهن الباب الأول على ألا تظهر فيه العولمة كمسار غربي ذي اتجاه واحد، واتجه الباب الثاني إلى استعراض تسلسل زمني يستحضر محطات ونقط استدلال مهمة في تاريخ العالم خلال القرن التاسع عشر بعيدا عن المركزية الأوروبية، ورغم هيمنة المعروضات الأوروبية في بازار عالم القرن التاسع عشر في الباب الثالث، فإن “أقاليم” الباب الرابع أعادت التوازن المطلوب، أو بلغة منسقي الكتاب:” في هذه الظروف، تشكل “النطاقات الثقافية” تخييلا مفيدا وضروريا للخروج من مركزية أوروبا، أي للتأسيس في المقام الأول، لنوع من التوازن المفتعل بين مختلف مناطق المعمور. يستجيب هذا التقسيم، على علته، لإحدى التحديات الرئيسية لتاريخ العالم: السماح بسرد تاريخي لا يركز على مركز واحد. سردٌ يُسهِّل استكشاف “حداثات بديلة”، كدليل على البعد المتعدد الأقطاب للعولمة”. (ص 26).

هي إذن إرادة القطع مع التكيف في أغلب الأحيان مع جهل الأوروبيين بالآخرين، ربما هو اتجاه عام نافر من هذا التعايش مع جهل الآخر. ألم تلفت انتباه عالمة الاجتماع الفرنسية من أصل صيني آن تشينغ المفارقة التي يعيشها المجتمع الفرنسي بعد انصرام حوالي قرنين من بداية الاهتمام بموضوع الصين؛ فبينما يتغير هذا البلد باستمرار في العقود الأخيرة، ويشهد انفتاحا صارخا على العالم، لم تغير النخب الفرنسية نظرتها له، ولا غيرت أحكامها المسبقة وصورها النمطية عنه. والسؤال الذي ظل يؤرقها لا يقتصر فقط على كيفية محاربة هذا الجهل، بل كيف يمكن إدخال الصين في الثقافة العامة للمواطن الفرنسي. لذلك ذهبت، في الدرس الافتتاحي الذي دشنت به اعتلاءها كرسي التاريخ الثقافي للصين بالكوليج دو فرانس سنة 2008، إلى حد اعتبار الأمر بمثابة رسالة إلى هذا الصرح العلمي قصد القيام بهذه الخدمة العمومية[5].

  1. بداية تحول الريادة من المركز إلى الأطراف

حمل النصف الثاني من القرن التاسع عشر ملامح تحول نوعي طالت مختلف مجالات الحياة الأوروبية، وظهر وكأن بريطانيا كسبت رهان الحفاظ على توازن القوة المأمول، الذي يكفل لها زعامة أوروبية وتأبيد السيطرة على امبراطوريتها الاستعمارية المترامية الأطراف، غير أن واقع الحال كان يقول بصعود قوى أخرى جديدة من خارج منافيسها التقليديين في أوروبا، وتحقيقهم لنجاحات تجاوزت التفوق الأوروبي عموما والبريطاني على وجه الخصوص في مجموعة من الميادين.

أولا: مجال التصنيع

بين تنظير فكري للطرح القائل بالتفوق الأوروبي على العالم من خلال الوسائط الاقتصادية، الذي قاده المفكر الفرنسي هنري دو سان سيمون منذ عشرينيات القرن التاسع عشر (ص110)، وخطاب احتفائي بعولمة تحت تصرف البريطانيين، ألقاه الأمير ألبيرت، زوج الملكة فيكتوريا، سنة 1850 (ص130)، يبدو أن واقع الحال كونيا على المستوى الاقتصادي كان يحمل معطيات تضع هاته المركزية الأوروبية على محك حقيقي، بل ويقدم كثيرا من مؤشرات التجاوز ونقل موقع الثقل من المركز إلى الأطراف. يقول فرانسوا جاريج:” لم يولد التصنيع فجأة في القرن التاسع عشر، بل كان نتيجة لحركة طويلة منذ قرون، اجتهد تعبير “الثورة الصناعية” للدلالة عليها (…) في بداية القرن التاسع عشر، لم تكن هناك اختلافات جذرية في هذا الصدد بين صناعة الهند والصين وأوروبا (…) أنتج الهنود المنتشرون في عدد كبير من القرى أقمشة ذات جودة عالية، مع تحسينات كبيرة، وصَدَّرُوها بفضل تكلفتها المنخفضة إلى أوروبا وأمريكا بواسطة سفن شركة الهند الشرقية. وذهب بعض المؤرخين إلى اعتبار التصنيع البريطاني استجابة لفعالية المنسوجات الهندية وسعرها المغري في القرن الثامن عشر.

لقد تجاوز المؤرخون الفكرة المتداولة القائلة بأن التصنيع مرتبطٌ بـ”الثقافة” المبتكِرة والمقاوِلة لنخبة بروتستانتية إنجليزية صغيرة، للنظر إلى الموضوع من زاوية أوسع تلقي الضوء على المهارات الحرفية وتحولات تنظيم العمل دون تغييرات تقنية. وتذهب الرؤية التاريخية “المراجِعة” هذه إلى حد بعيد، فتستحضر أصول التصنيع الآسيوية (جون هوبسون) من خلال التأكيد على الظرفية العالمية التي اندرج فيها المسار البريطاني. علاوة على ذلك، لم يحدث الانتقال من جانب واحد، من أوروبا إلى العالم، يتعلق الأمر أساسا بهجانة التقنيات والابتكارات، مما يُغيِّب تفوق أوروبا في هذا المجال”. (ص123-124).

بل يذهب الباحث نفسه إلى مراجعة الفكرة القائلة بظهور المصنع الممركز لأول مرة في أوروبا، لافتا انتباه القراء إلى  تأمل النماذج الأولية للمصنع في “مصانع السكر بأمريكا اللاتينية ومنطقة بحر الكاريبي، حيث تم إعداد السكر لشحنه إلى أوروبا”. (ص126).

هذا على مستوى السبق في مجال التصنيع، أما بالنسبة للتجاوز وانتقال مركز الثقل إلى مواقع أخرى صاعدة عصرئذ خارج أوروبا، فنستحضر نموذجين برزا بشكل لافت، مستغلين فترة “الكساد العظيم” الذي شهدته البلدان الصناعية الأوروبية في نهاية القرن التاسع عشر، ليحوزا الريادة ضمن فترة “التصنيع الثاني” وما رافقها من ابتكارات، يتعلق الأمر بكل من اليابان والولايات المتحدة الأمريكية. فاليابان “في عصر الميجي، بدافع من الدولة والطلبات العسكرية، تجاوزت عتبة 1 بالمائة من الإنتاج الصناعي العالمي سنة 1897”. (ص134).

لم يقتصر الأمر على الابتكار في ما هو تقني فقط، في زمن تطورت فيه التقنيات، بل طال أنماط التدبير أيضا، فنحت الشركات الصناعية نحو التدويل لاختراق الأسواق الأجنبية أكثر. في هذا السياق، يُفهم ظهور تدبير مقاولاتي اقتصادي أمريكي  عملاق قلَب الكثير من المعادلات الدولية، وأسال نحت مفهومه (الشركات المتعددة الجنسيات) مدادا وفيرا، إذ تزايدت الشركات الأمريكية من هذا الصنف أكثر فأكثر بعد سنة 1890، فقد “أحصى باتريك فيرلي في ذلك الوقت سبع وثلاثين شركة من هذا النوع في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1914”. (ص133). بل إن هذه الشركات استطاعت أن تفتح لها فروعا في بلدان المركز الأوروبي ذات السياسة الحمائية الشديدة، بما في ذلك البلد الحاضن للثورة الصناعية، بريطانيا.

ثانيا: الجانب الديمغرافي والصحي

عرفت أوروبا طفرة ديمغرافية خلال القرن التاسع عشر تجد تفسيرها في تحجيم خطر الأوبئة الفتاكة، مقابل تمدد المشهد الزراعي وتطور الإنتاج الصناعي.  غير أن اللافت للنظر هو أن امتدادات أوروبا وتفرعاتها (كندا، الولايات المتحدة الأمريكية، أستراليا، نيوزيلاندا)، عرفت “بين 1820 و1900 نموا ديمغرافيا أسرع مما عاشته أوروبا الغربية. فبينما تضاعف عدد سكانها سبع مرات، لم تعرف القارة العجوز تزايدا ديمغرافيا إلا بضعفين فقط خلال نفس الفترة”. (ص 32).

وفي بلد منذور لضغط ديمغرافي متوقع مثل الصين، لم تفتأ المؤشرات السكانية في الارتفاع، بسبب تكثيف المشهد الزراعي. ويشير “المؤرخون المعاصرون إلى ارتفاع في مستوى العيش، وإلى أرقام عن ساكنة الصين،  لا تقل في إيقاعها عن ذاك الذي شهدته أوروبا إلى حدود سنة 1850”. (ص 33).

غير بعيد عن الصين، تستعرض كاثرين رولي، تجربة أسيوية أخرى في المجال الصحي فاقت نظيرتها الأوروبية، وصارت نموذجا يحتذى على الصعيد الكوني، بالقول: “كانت اليابان في منتصف القرن التاسع عشر بلدا فقيرا ومعزولا. وكان فتح موانئها بشكل قسري، في وجه القوى الغربية، قد جرى استبطانه بنوع من الدونية. لكن بعد عشر سنوات وصل الإمبراطور موتسوهيتو إلى السلطة، مُعلنا عصر الميجي، إذ جعل الصحة العمومية من أولوياته، في ظرفية كانت فيها الدولة قد فقدت كل مراقبة على السفن الراسية بموانئها، والتي كان من المحتمل أن تصحب معها جراثيم خبيثة إلى البلد. ورغم المجهودات المبذولة منذ نهاية عصر توكوغاوا لتعميم التلقيح، إلا أن الأمر لم يأخذ طابعه المنظم من طرف السلطات العمومية، إلا مع بداية عصر الميجي. هكذا، استفاد جميع الأطفال مجانا من التلقيح، بين اليوم الخامس والسبعين واليوم المائة من ولادتهم، وهي العملية التي كانت تتكرر بشكل إجباري كل سبع سنوات. وإذا كانت الأوبئة قد استمرت في شراستها حتى مشارف القرن العشرين، فإن الوفيات العامة، ووفيات الأطفال، بدأت في التراجع منذ منتصف القرن التاسع عشر (…) وبذلك، صارت اليابان نموذجا يُحتذى به على مستوى النظافة والتقدم في مجال الصحة العمومية”. (ص 33-34).

ثالثا: حقوق النساء ومضمار الانتخابات

إذا كانت المؤرخة الفرنسية سليفي أبريل قد توقفت عند إقدام ميلز تايلور  ليس فقط على إعادة النظر في الفكرة المسبقة التي استثنت المملكة المتحدة من الثورات الأوروبية، ولكن أيضا عند تذكيره بالإرادة القمعية في بريطانيا العظمى(ص 358)، فإن ما تقدمه لنا زميلتها المؤرخة الفرنسية/ الأميركية ريبيكا روجريز في هذا الكتاب حول موضوع تصويت النساء في نيوزيلاندا جدير بالاهتمام والانتباه ضمن هذه المعالجة لموضوع المركزية الأوروبية على محك العالم خلال القرن التاسع عشر، في شقها السياسي على الأقل. فـفي “19 شتنبر 1893 أصبحت نيوزلاندا أول دولة في العالم تمنح حق التصويت لمجموع النساء في هذه المستعمرة البريطانية، سواء تعلق الأمر بالباكِيا (المعمِّرين) أو بالماوْريين (السكان الأصليين). وفي السنة الموالية، 1894، جاء الدور على أستراليا الجنوبية، ثم أستراليا الشمالية (…) وقد شكَّل هذا التصويت النسائي المبكر، في أقاصي العالم هذا، ظاهرة علَّق عليها الكثير من المهتمين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. فبينما في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، قاوم المشرِّعون الأصوات المطالبة بمنح حق التصويت للنساء، تحدثت الصحافة الأمريكية والأوروبية بفضول عن هذه النجاحات النسائية المتتالية التي حملتها نساء مناضلات في قلب “اتحاد الوسط النسائي المسيحي”. (…) في نيوزيلاندا، ساهم غياب الأرستقراطية المتأصلة وقلة الانقسامات السياسية ومرونة التعامل مع تصويت الماوْريين، في تبديد عوامل الانقسام الذي غالبا ما أجّج الأمور في النضال من أجل تصويت النساء في البلدان الأخرى. ولذلك، كان ينبغي انتظار نهاية الحرب العالمية الأولى لتحصل النساء البريطانيات والأمريكيات والألمانيات على حق التصويت، وعام 1944 بالنسبة للفرنسيات”. (ص 465- 468).

يبقى لقارىء هذا العمل ولمتتبع “خطه التحريري” المنافح عن توسيع المنظار من أجل تاريخ للعالم بصيغة التعدد والتنوع بعيدا عن أي مركزية أوروبية،  أن يتساءل:  هل فعلا جرى التحرر من هذه النزعة الغربية المتمركزة على الذات حين  يلفي كريستوف شارل، رغم مرافعته في خاتمة الكتاب دفاعا عن هذا الطرح، قد عاد ليلتمس في شعار الجمهورية الفرنسية ( الحرية- المساواة-  الإخاء) مقياسا معياريا لدراسة التفاوتات في العالم، رغم إقراره  بهذه المجازفة؟ (ص 881-884).

[1]  بيير سينغارافيلو وسيلفان فينير، “كيف أصبحنا معاصرين؟”، ضمن بيير سينغارافيلو وسيلفان فينير، تاريخ العالم في القرن التاسع عشر، نسق الترجمة وراجعها محمد حبيدة، منشروات مؤسسة آل سعود، الدار البيضاء، 2020، ص 19.

[2]  نفسه، ص 885-886.

[3]  كارل بولانيي، التحول الكبير، الأصول السياسية والاقتصادية لزمننا المعاصر، ترجمة محمد فاضل طباخ، المنظمة العربية للترجمة، ص 69-70.

[4]  بيير سينغارافيلو وسيلفان فينير، “كيف أصبحنا معاصرين؟”، مرجع سابق، ص 16. (عند إحالتنا على هذا الكتاب لاحقا سوف نكتفي بذكر الصفحات المعنية بالإحالة داخل متن هذه القراءة).

[5]  انظر الدرس الافتتاحي لآن تشينغ (Anne Cheng) على الرابط:

https://www.college-de-france.fr/site/anne-cheng/inaugural-lecture-2008-12-11-18h00.htm

- الطيب بياض

كلية الآداب / الدار البيضاء- عين الشق

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.