الإثنين , 25 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » حـــوارات » الحقيقة والمصالحة في أمريكا اللاتينية

الحقيقة والمصالحة في أمريكا اللاتينية

استجواب مع جوزي زالاكيت José Zalaquett يوم الأربعاء 25 نوفمبر 2009 بالدار البيضاء أنجزه وترجمه من الإنجليزية إلى العربية عبد الحي مودن

hiwarat_9.2أُجري هذا الاستجواب على هامش الندوة التي نظمها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، بمشاركة مركز حقوق الإنسان بجامعة الشيلي والمركز الدولي للعدالة الانتقالية، حول موضوع “التجربتين المغربية والشيلية في مجال البحث عن الحقيقة والإنصاف والمصالحة”، وذلك خلال يومي 24 و 25 نوفمبر 2009 بمدينة الرباط.

جوزي زالاكيت أستاذ بكلية الحقوق بجامعة الشيلي حيث يدرّس حقوق الإنسان والأخلاق والسياسة، كما درّس في كلية الحقوق بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة وبكوستا ريكا. يُعتبر زالاكيت من الحقوقيين المرموقين على الصعيد العالمي، وعلى صعيد أمريكا اللاتينية بصفة خاصة. فهو ساهم في حركة مقاومة النظام العسكري في الشيلي، وقضى عدة سنوات في المنفى، واشتغل في عدة منظمات حقوقية دولية، على رأسها منظمة العفو الدولية. ويعد زالاكيت من أكبر المتخصصين الدوليين في مجال العدالة الانتقالية، واستُدعي بهذه الصفة لعدد من الدول عبر العالم، كما نظم عدة ندوات حول الموضوع. وفي سنة 1990 عُين عضوا في الهيئة الوطنية للحقيقة والمصالحة بالشيلي. حصل على دكتوراه شرفية من جامعة نوتر دام (بولاية إنديانا) وجامعة مدينة نيويورك بالولايات المتحدة. أنجز زالاكيت عدة مؤلفات حول موضوع حقوق الإنسان والحقيقة والمصالحة باللغتين الإسبانية والإنجليزية من بينها:

• The Human Rights Issue and the Human Rights Movement. World Council of Churches, Geneva. (1982) • Derechos Humanos y Limitaciones Politicas en las Transiciones Democraticas del Conosur. Colección Estudios Cieplan, Santiago. (1991)

• “Moral Reconstruction in the Wake of Human Rights Violations and War Crimes”. In: Hard Choices: Moral Dilemmas Relating to Humanitarian Intervention. Edited by Jonathan Moore of the John F. Kennedy School of Government, University of Harvard, and sponsored by the International Committee of the Red Cross. Rowman & Littlefield Publishers, USA. (1998)

• Los Límites de la Tolerancia. Libertad de Expresion y Debate Publico en Chile. Lom Ediciones, Santiago de Chile. (1998)

• “Truth, Justice and Reconciliation: Lessons For The International Community”. In: Comparative Peace Processes In Latin America. José Zalaquett Daher. Cynthia Arnson. Woodrow Wilson Center Press/Stanford University Press, Washington, D.C. (1999)

• Procesos de Transición a la Democracia y Políticas de Derechos Humanos en América Latina (1998)

• La reconstrucción de la unidad nacional y el legado de violaciones de los derechos humanos. (1999)

• La Mesa de Diálogo sobre Derechos Humanos y el proceso de transición política en Chile. (2000)

• “No hay mañana sin ayer”: Análisis de la propuesta del presidente Lagos sobre Derechos Humanos. (2003)

• Transparencia, rendición de cuentas y lucha contra la corrupción en América 2004. (2004)

سؤال:

أرجو أن تعرفنا بمسارك السياسي والفكري في مجال الحقيقة والمصالحة، وبالمناخ الفكري الذي صاحب مسار المصالحة في أمريكا اللاتينية.

جوزي زالاكيت:

بالنسبة لي ولعدد من زملائي بدأنا العمل في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان في الشيلي بعد انقلاب شتنبر 1973 تحت مظلة المنظمات الكنائيسة بالرغم من أن معظمنا لم يكونوا مسيحيين. كنت من اليسار في حكومة ألييندي، واشتغلت في برنامج الإصلاح الزراعي في القسم القانوني وأنا صغير السن. التحالف الذي أيَّد ألييندي كان يضم ستة أحزاب، حزبان كبيران هما الاشتراكي والشيوعي وأربعة أحزاب صغيرة، وأنا كنت عضوا في أحد هذه الأحزاب الصغيرة. بعد الانقلاب دافعنا عن المعتقلين السياسيين، واكتشفتُ التطور الذي عرفته حركة حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي كنت أجهله من قبل. كانت منظمة العفو الدولية تأسست منذ بضعة سنوات، ولكننا لم نكن نسمع بها. لكننا بدأنا نربط علاقات مع المنظمات الحقوقية ونتعلم خطابات حقوق الإنسان ومصطلحاتها. في البداية كنا نعتبر أن عملنا القانوني والإنساني هو تعبير عن تضامننا مع رفاقنا المعتقلين، ولكن على المستوى العملي، بدأنا نطور فكرة كون هذه الحقوق ذات قيمة مستقلة في حد ذاتها، وأنها ليست مرتبطة بالضرورة بإيديولوجيات سياسية.

يمكن أن تعتنق إيديولوجية ما، ولكن عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان، فإن هذه الأخيرة تحتفظ باستقلاليتها وهويتها الخاصة، وعليك أن تدافع عنها سواء تعلق الأمر بالشمال أو الجنوب، أو اليسار أو اليمين. بعد سنين من العمل بهذه الطريقة، نشأَتْ عدد من المنظمات في بلدان الجنوب التي تعاني من القمع السياسي. وقبل ذلك تأسست جمعيات حقوقية ذات بعد دولي على غرار “منظمة العفو الدولية” و”هيومان رايت واتش”. وعندما بدأ زمن الدكتاتورية يقترب من نهايته في بداية الثمانينات، ثم مع نهاية النظام السوفياتي الذي انتهى بسقوط جدار برلين في سنة 1989 والنظام السوفياتي سنة 1991، نضجت الحركة الحقوقية العالمية واكتسبت فكرةُ حقوق الإنسان مشروعية واسعة. وبالرغم من أن البعض لم يكونوا يؤمنون بها، إلا أنهم اضطروا إلى أن يعترفوا بها مع ذلك لأنها أصبحت فكرة قوية على المستوى الدولي. وعلى كل حال فإن منظمات حقوقية نشأت، و تطورت برامج جامعية على المستوى الأكاديمي، ووُقِّعت اتفاقيات دولية، وأُنشِئت منظمات دولية متخصصة في مجال حقوق الإنسان. مع بداية برامج الدمقرطة في مطلع الثمانينات، كانت فكرة حقوق الإنسان قد ترسَّخت على الصعيد الدولي. وفي الوقت الذي عرفت فيه الأرجنتين الانتقال السياسي باعتبارها من الدول التي عانت من خروقات حقوق الإنسان، كان العالم يتوقع أن تطبَّق في هذه الوضعية الجديدة كل ما تم تعلمه في هذا المجال. كان مصدر هذه الانتظارات هم المحامون والمناضلون الذين يشتغلون في قضايا حقوق الإنسان وعلماء السياسة أيضا. فمصطلح الانتقال الديمقراطي طوَّره علماء السياسة الذين اشتغلوا على أمريكا اللاتينية بالرغم من أنهم كانوا يعيشون في الولايات المتحدة مثل فيليب شميتر Philippe C. Schmitter وجييرمو أودانل Guillermo O’Donnell. ما كانوا يعنون بهذا المصطلح هو الانتقال من “الحكم البيروقراطي السلطوي” إلى الديمقراطية، حسب تعبير جييرمو أودانل. ومباشرة بعد ذلك اهتمت جمعيات حقوق الإنسان بانتهاكات حقوق الإنسان. لقد تأثرتُ كثيرا بتجربة الأرجنتين لأنني كنت وقتها أترأس منظمة العفو الدولية حيث كنت في المنفى لمدة سنتين في لندن، وسبع سنوات في الولايات المتحدة ثم في فرنسا. أتذكر أنني زرت الأرجنتين سنة 1984 في مهمة لأتحدث مع السلطات المدنية بعد التغيير الحكومي الذي حصل في دجنبر 1983 الذي وضع حدا لسبع سنوات من الدكتاتورية العسكرية الأرجنتينية على إثر هزيمتها المروعة في جزيرة الملوين على يد البريطانيين. كان الجيش محبطا وسلّم الحكمَ للمدنيين وللحكومة الجديدة المنتخبة، حكومة ألفونسين. وكانت هذه الأخيرة محط انتظارات الأرجنتينيين والمجتمع الدولي. وكانت الانتظارات تعني أننا الآن ولأول مرة بعد سنوات عديدة نعيش عودة للديمقراطية عرفتها دولة بعد فترة حكم شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وأن وقت إقرار العدل قد حل.

في هذه الوضعية، عوض الدفاع عن ضحايا انتهاكات تقوم بها أنظمة حالية، كان على المنظمات الحقوقية أن تجيب على كيفية التعامل مع انتهاكات وقعت في الماضي وارتكبتها حكومات سابقة. وهذه قضايا اعتُبرت بالغة الخطورة. رد الفعل الأول من طرف حقوقيي بلدان الشمال، في كل من أوربا والولايات المتحدة كان أتوماتيكيا: إن لدينا سابقة الحرب العالمية الثانية ومحاكمات نورامبيرغ كوسيلة لإقرار العدالة. لا حاجة للتساؤل حول كيفية التعامل مع الوضعية الجديدة في الأرجنتين، بل يجب فقط تطبيق نموذج محاكمات نورامبيرغ. هذا ما أعنيه بالجواب الأوتوماتيكي. ولفترة اعتقد الأرجنتينيون بأن ذلك ممكن لأن الجيش كان يبدو منهكا و منهزما. ولكن هذا الانطباع لم يكن دقيقا، فبالرغم من أن الجيش كان قد انهزم في جزيرة إلا أنه بقي يحتفظ باحتكار السلاح في بقية البلاد ، بشكل يشبه ما حصل في اليونان قبل ذلك بسبع سنوات، حيث عرف الجيش اليوناني الهزيمة في قبرص على يد الأتراك، فانهار النظام العسكري الذي كان وصل للسلطة سنة 1974. وهناك أيضا احتفظ الجيش باحتكاره للسلاح في بقية تراب اليونان. لقد كان الجيش محبطا ولكنه لم يكن منزوع السلاح. نفس الشيء حدث في الأرجنتين، حيث الشبه بين الحالتين قوي جدا. ففي البلدين، بالرغم من فارق التسع سنوات بينهما، هناك حكومة تسير البلاد لمدة سبع سنوات، ويعرف كلاهما انتهاكات لحقوق الإنسان بالرغم من أن حجمها كان أكبر في الأرجنتين منه في اليونان، وفي كلا البلدين كان النظام يبرر سلوكه بضرورة مواجهة الخطر الشيوعي، وفي كليهما يسقط النظام السياسي بسبب هزيمة تلقاها في جزيرة.

إن الشبه مثير حقا. كان الرئيس الأرجنتيني قرر في البداية أن يفتح المجال للمحاكمات، ولكن الأمر لم يكن سهلا. فبعد مرور سنتين، استعاد الجيش انسجامه الداخلي الذي كان فقده خلال الحرب. لقد أحس المسؤولون العسكريون بخطر يهددهم جميعا، خطر المحاكمات، ولذلك بدؤوا ينتظمون في شكل جبهة موحدة. وبشكل مريب، وقعت سلسلة من الهجومات المسلحة لم يُعلِن أحد المسؤولية عنها، ولكن كان الجميع يعرف بأن الجيش من ورائها. لقد بقي الجيش مختبئا خلف المقرات العسكرية، ورفض أن يظهر علانية كإشارة منه على عدم رضاه عن مجرى الأمور. وأحس الرئيس بصعوبات الواقع التي لم تظهر مباشرة بعد سقوط النظام العسكري وإحباطاته.

كان الأمر يختلف عما حصل في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية حيث سلم الجيش الألماني نفسه بدون أية شروط، ونفس الشيء بالنسبة للجيش الياباني، حيث لم يبق هناك وجود لجيش قائم الذات. في حالة الأرجنتين، انهزم الجيش ولكنه احتفظ بأسلحته. بدأت صعوبات الواقع تتجلى، وتراجع الرئيس ألفونسين، ووقّع على القانون الذي سُمي بوينتو فينال، “نقطة النهاية”، محددا الفترة التي لا يمكن بعدها أن تُقدم أية شكوى للمحكمة، وقانون آخر سمي بقانون “الامتثال للواجب”، والذي يلغي مسؤوليات أي عسكري في مرتبة تقل عن مرتبة كولونويل على اعتبار أن الواجب كان يفرض عليه الامتثال لأوامر رؤسائه. كانت هذه الوضعية مؤسفة، ولكن لم يكن بالإمكان تجنبها. إني اعتقد أن الرئيس ألفونسين تصرف بحسن نية، ولكنه أخطأ في تقدير الأوراق بين يديه، ولربما لم تكن له أية فرصة للاستفادة من تجارب سابقة في هذا المجال. لقد أخطأ في التقدير لأنه كان يتصور في البداية أن بإمكانه أن يفعل أكثر مما كان باستطاعته، وعِوض أن يحرز التقدم، سار في طريق العمل على تحقيق العدالة كاملة، ثم وبعد أن تمرد الجيش بطريقة صامتة، أحس بالضغط، فتنازل. لم يكن هذا تصرفا جيدا. لهذا قلت بأن الأرجنتين عرفت في هذا المجال مسارا فوضويا، اتخذت مسار الحقيقة عن طريق المحاكمات، ثم اختارت العفو على المتابَعين في الانتهاكات، لتعود مرة أخرى للمحاكمات، ثم تتراجع عنها بعد ذلك. ولكن النتيجة النهائية، وبالرغم من هذه المسارات الدائمة الانعراجات، كانت مبهرة.

في السنة الموالية، 1984، عرفت الأورغواي بدورها الانتقال. وفي هذه الدولة الصغيرة المجاورة للأرجنتين وذات مؤسسات ديمقراطية، تم الاتفاق على دستور جديد مع الجيش الذي خسر الاستفتاء. تفاوض العسكريون على كيفية خروجهم من السلطة، وضم الاتفاق ضمانات بعدم متابعتهم، ولم تقم الحكومة المدنية بالشيء الكثير في هذا المجال، على عكس ألفونسين في الأرجنتين، الذي سعى إلى أن يقوم بأكثر مما كان بمقدرته أن يحقق. الحكومة الأورغوية قامت بالمقابل بأقل بما كان بقدرتها أن تحقق. هذان مثالان لموقفين متعارضين. زرت الدولتين بصفتي رئيس “منظمة العفو الدولية”، وكانت لي محادثات مع رئيسي الدولتين، وعلى ضوء هذه الزيارات نشرتُ مقالا سنة 1985 في مجلة النيو ريبابليك New Republic التي تصدر في الولايات المتحدة حيث كنت أقيم آنذاك، تحدثت فيه عن حالتي الانتقال الديمقراطي في كل من الأرجنتين والأورغواي. كان هذا المقال هو ولوجي الأول لهذا المجال عن طريق الكتابة. في السنوات التي تلت ذلك، شاركت إما كمسؤول في “منظمة العفو الدولية” أو بصفتي الشخصية في مسارات للانتقال التي فشلت في كل من أوغندا والفيليبين. ولذلك، ففي الوقت الذي عرفَتْ فيه بلادي الانتقال سنة 1989-90، كانت لي خبرة واسعة في هذه المجالات، وكان لي ما يكفي من الوقت لكي أتأمل في هذه المواضيع وأكتب عنها. كانت هناك ندوة ذات أهمية خاصة نظمها معهد آسبن في كولورادو بالولايات المتحدة سنة 1988 لمناقشة هذه القضايا، ودُعيَت للمشاركة لائحة طويلة من الفلاسفة وعلماء السياسة والمفكرين، نشر على إثرها كتاب بعنوان جرائم الدولة، عقاب أم عفو، وطُلِب مني أن أكتب النص الرئيسي للكتاب. وفي السنة الموالية، عندما أطلقَتْ الشيلي مسلسل انتقالها، كنت راكمتُ معرفة بهذه القضايا لمدة عدة سنوات، ألّفتُ بعض النصوص وزرتُ عددا من الدول. في الشيلي هزمْنا بينوتشي في مسعاه للاستمرار في الحكم سنة 1988 بعد أن دعا للاستفتاء حول تجديد ولايته لثمان سنوات أخرى، وخسر. في السنة الموالية، أُجريت انتخابات تنافسية وكان من المتوقع أن تنتصر الأحزاب المعارِضة لبينوتشي، وهو ما حصل فعلا. كانت المعارضة وقتها تتكون من الوسط ويسار الوسط، وهو التحالف الذي قاد البلاد منذ ذلك الوقت لمدة عشرين سنة تعاقبت خلالها أربع حكومات ائتلافية.

أريد أن أعود هنا إلى الوراء قليلا، عرفَتْ الشيلي خلال الستينات ثلاثة تكتلات حزبية تناوبت على الحكم بشكل متسلسل، سنة 1958 فاز اليمين وحكم حتى حدود سنة 1964، بعدها انتصر المسيحيون الديمقراطيون الذي يمثلون الوسط وحكموا حتى 1970، وفي 1970 انتصر اليسار بزعامة ألييندي واستمر في الحكم إلى أن وضع الانقلاب حدا لحكومته بعد ذلك بثلاث سنوات. لقد كان هناك انتقال تدريجي خلال الستينات نحو اليسار كما كان الأمر في باقي أنحاء العالم. كان المسيحيون الديمقراطيون قد أيدوا الانقلاب باعتباره أقل الشر ضررا، ثم ندموا على ذلك فيما بعد. وأصبح اليساريون بعد سنين من الدكتاتورية أكثر اعتدالا ولم يبقوا مؤمنين بالوصول إلى الحكم بواسطة السلاح، أو بتأسيس جمهورية اشتراكية على نمط كوبا أو الاتحاد السوفياتي، بل أصبحت مواقفهم أقرب إلى الاشتراكية الديمقراطية. ولذلك صار بالإمكان إنشاء تحالف يضم أغلبية الناخبين الشيليين وهو قادر على مسايرة السياسة الشيلية. و تأسس وسط أو وسط- يسار سياسي، إذ بدون وسط نكون في وضعية التجاذب حتما. بعد أن أجريت الانتخابات التنافسية على إثر انهزام بينوتشي في الاستفتاء، شكّل تحالف الوسط ويسار الوسط عدة لجن لتهيئ مهام الحكومة اللاحقة ولتقديم اقتراحات بشأن الخيارات السياسية. عُيّنتُ في هذا الإطار في لجنة العدالة ومشاكل حقوق الإنسان. كنا اثنا عشر عضوا وكنت مسؤولا مع شخص آخر عن تحرير الوثيقة التي تهتم بكيفية التعامل مع ماضي الانتهاكات. وهيئنا ورقةً اعتمادا على تجاربنا نقترح فيها إنشاء لجنة للحقيقة متقدمة على لجنة الأرجنتين. وما أن تسلم الرئيس السلطة حتى سعى إلى إنشاء اللجنة المقترحة. وبعد تجربة لجنتنا، دُعيتُ للمشاركة في العديد من اللجن كمستشار في كل من جنوب إفريقيا، ورواندا، وبلغراد، والسالفادور وغيرها. هذه هي القصة باختصار.

أعود إلى الموضوع الرئيسي لسؤالك والمتعلق بالمناخ الدولي، لقد كان المثقفون اليساريون الذين عانوا من الاغتراب استفادوا من غنى تجاربهم الدولية، وحصَّل عدد كبير منهم على شهادات الدكتوراه في القانون ومجالات أخرى. هذا اليسار الأكاديمي تعلم من الواقع المعاش أن يكوّن أفكارا أكثر اعتدالا بدون أن يتخلى عن مبادئه، وأن يعمل على تحقيق أهداف العدالة الاجتماعية بأساليب أخرى غير الأساليب الثورية، وأن يعطي قيمة خاصة لحقوق الإنسان. في نفس الوقت، كان اليسار في منتصف الثمانينات يبلور نظريات للانتقال الديمقراطي ويبحث عن الوسائل المساعدة لهذا التوجه، وكان جناح حقوق الإنسان في هذه الحركة قد شرع في تلك الفترة في التفكير فيما يطلق عليه اليوم العدالة الانتقالية والتي كانت تسمى وقتها الانتقال إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان.

سؤال:

كان المناخ الثقافي السائد في أمريكا اللاتينية حتى الثمانينات يتميز بهيمنة الاتجاه الماركسي ونظرية التبعية، كيف تفسر التحول من هذا المناخ إلى فكرة الانتقال؟

جوزي زالاكيت:

هناك عوامل متعددة تفسر ذلك. أولا، لقد شعر الجيش في الأرجنتين بأنه تلقى هزيمة استراتيجية ثانيا، كان هناك الكثير من إلقاء مسؤولية ما حدث على الآخرين، على الذين شنوا الانقلاب، وعلى الذين كانوا سباقين للضغط على الزناد. لقد تهرب الجميع من تحمل المسؤولية. لكن فيما بعد، ومنذ 1979، بدأت مرحلة النقد الذاتي والاعتراف بالأخطاء. كثيرون تغيروا تدريجيا وبلوروا أفكارا أكثر اعتدالا من مواقفهم في السابق، وآخرون ظلوا متشبثين بأفكارهم القديمة، بل ومنهم من تخلى عن كل شيء، أو من انتقل إلى الصف الآخر. لا شك وأن لديكم هنا في المغرب وضعية مشابهة. بعض الناس تحولوا إلى ما سماهم الأرجنتينيون، ربما حسب تعبير كنيدي، “مثاليين بدون وهم”، أي أولئك الذين لم يتخلوا عن مبادئهم، ولكن لم يكن لم وهم في أن الأمور أصعب مما كانوا يتصورون، وأن حلها يتطلب وقتا طويلا، وأن هناك مسارات يجب تجبنها، وأن بعض القضايا أكثر أهمية من غيرها. كانت الديمقراطية تعيش مرحلة تسترجع فيها التقدير في كل أمريكا اللاتينية باستثناء الشيلي والأورغواي، حيث كان لا يزال يُنظر إليها هناك بازدراء لكونها لم تكن تُعتبر إلا عملية تجميل سطحية بدون محتوى وبالتالي لم تكن تحظى بتأييد شعبي. ولكن الأمور تغيرت. كان ذلك جزئيا بسبب هزيمة اليسار، ولكون أن عددا من الناس اضطروا إلى الاغتراب في أوربا الشرقية. هناك عاينوا الاشتراكية المعاشة على أرض الواقع، وأفقدتهم هذه المعاينة المباشرة إعجابهم بالاشتراكية المثالية. في نفس الوقت، وفي ظل وضعية الحرب الباردة، فإن المواجهة بين القوتين الكبريتين لم تصل إلى حد الاصطدام بينهما، فلو حدث ذلك لدُمّر العالم بالكامل وما كنا لنجلس معا الآن. لكن التوتر بين الدولتين العظيمتين ظهر في حالات مركزة في مناطق مختلفة من العالم في كوريا والفيتنام والشرق الأوسط وأمريكا الوسطى والجنوبية. وكانت للقوتين العظيمتين مصالح متعارضة في كل هذه الدول، مما ساهم في استمرار هذه المواجهات بشكل أو بآخر. مع تراجع بنيات الحرب الباردة، ضعفت الرياح التي كانت توجه هذه النزاعات، وبسرعة وُقّعت عدد من اتفاقيات السلام في إفريقيا، وغَيّرت جنوب إفريقيا نظامها العنصري، وعرَفت أمريكا الوسطى بدورها اتفاقيات سلام، ذلك أن النزاعات الصغيرة ذابت بعد أن فقدت رعاية القوتين الكبيرتين.

لقد أدى تظافر هذه العوامل، أي تجارب الاغتراب ونهاية الحرب الباردة، إلى تقوية الشعور بالهزيمة في صفوف اليساريين المغتربين. هناك عامل آخر هو ظهور حركة حقوق الإنسان على الصعيد الدولي. إنه ليس العامل الحاسم، ولكن لا بد من أخذه بعين الاعتبار. فقد برز في الخطاب السياسي نوع جديد من المشروعية، إنها مشروعية القيم الأخلاقية في حد ذاتها، قيم حقوق الإنسان، مقابل مشروعية أولوية الغايات الكبرى كأولية الإصلاحات البنيوية، أو كأولية تحقيق المجتمع اللاطبقي. بالنسبة لحقوق الإنسان، أصبحت المشروعية مرتبطة بالوسائل وليس بالغايات. مهما تكن غاياتك فلا بد من أن تحترم وسائل معينة، على غرار أن تعامل عدوك كبشر، وأن ترفض التعذيب والاغتيال، وهذه قيم إنسانية عالمية. هذه المبادئ لا تمثل إيديولوجيا ما، إنها تُعتبَر الحد الأدنى من آداب المعاملات، ولكنه حد أدنى ظل يتسع و ينفتح في كل مرحلة على أفق جديد، لأنه لولا هذا التوسع المتواصل للحد الأدنى لأصبحت هذه المبادئ إيديولوجيا هي بدورها، أي الإيديولوجيا التي تبرر الغايات حتى ولو كان ذلك على حساب الحقوق. في غياب هذا الحد الأدنى من مبادئ حقوق الإنسان، يدَّعي الجيش بأن المعارضة تهدد قيمنا المسيحية الغربية وبالتالي يتوجب القضاء عليها، وفي المقابل يدَّعي اليسار الراديكالي بأنه يدافع عن حقوق الشعب، وينكر على البورجوازية الحاكمة أن تكون منتمية إلى الشعب، ولا يعترف لها بالتالي بأي حقوق. ولذلك فأنت إذا ما قتلتَ أحدا منها، فإن الأمر لا يشكل حالة قتل بل يُعتبَر تنفيذ عقوبة مشروعة، وإذا ما سرقتَها فإن ذلك لا يُعدّ سرقة بل مصادرة مبرَّرة. هذه اللغة التي كان يتحدث بها الطرفان معا كانت تبرِّر من خلال التركيز على الغايات ما لا يمكن تبريره. أنا لا أساوي بين الطرفين بطبيعة الحال، ولكن هناك مسألة عدم الالتزام بقواعد ومعايير ومبادئ أولية من المفروض أن تطبَّق في جميع الحالات. والتطور الذي شهدته حقوق الإنسان ساعد على تدعيم هذا التوجه. كل هذه العوامل ساهمت في تغيير الأفكار والمواقف.

بالنسبة للمثقفين، فقد التحق أكثرهم كفاءة وذكاءا ببرامج أكاديمية في مستوى الدراسات العليا في الخارج كأساتذة مساعدين، ثم ما لبثوا أن ترقوا إلى مناصب أساتذة من مرتبات عليا. أيضا، عرفت أمريكا اللاتينية مشاركة المثقفين في السياسات العمومية، وهي الظاهرة التي كانت أوربا عاشتها في القرن الثامن عشر. عندما تفكر في دافيد ريكاردو وآدم سميث، فإنهما لم يكونا مفكرَيْن رائدين في علم الاقتصاد فحسب، بل ساهما عمليا في بلورة سياسات عمومية. ومع تطور الساحة الأكاديمية في القرن العشرين أصبح المثقفون يعيشون في أبراج عاجية، وتحولت الساحة الأكاديمية إلى مجال محصن للتفكير المجرد المنفصل عن الواقع. أنا لا أقول ذلك للتقليل من قيمة الأكاديميين، فعدد منهم في بلدان العالم الثالث لم ينفصلوا عن واقع دولهم، وأصبحوا في الأرجنتين مثلا بعد عودة الديمقراطية، وزراء وسياسيين نشيطين بدون أن يتخلوا عن جذورهم الفكرية. أن تتكون لديك شريحة من الأكاديميين، خاصة في مجال العلوم الاجتماعية، وهم في نفس الوقت يباشرون التفكير في الشأن السياسي ولا يحصرون مجهودهم في التفكير في النظريات، هذا أيضا عامل إيجابي آخر يضاف إلى العوامل التي ذكرتها من قبل.

سؤال

ماذا كان مصير نظرية التبعية، لأنه ولمدة كانت أمريكا اللاتينية تعتبر مهد هذا الاتجاه النظري؟

جوزي زالاكيت:

كان هناك مساران. المسار الأول، مسار فك الارتباط مع المركز، عرف مراجعة شاملة، فأصحاب مدرسة شيكاغو للفكر الاقتصادي المعادية لهذا المسار،كان أبرزهم هم الشيليون. وواجهت فكرة فك الارتباط والاعتماد على الذات انتقادا دقيقا في ميدان الفكر الاقتصادي، إذ شكك جيل جديد من الاقتصاديين في هذه المواقف، ودافعوا عن فكرة أن عليك أن تندمج في العالم، وأنه ليس من الضروري أن تنتج كل ما تستهلك، وأن الانفتاح على العالم وعلى المنافسة يساهم في تدعيم فعالية المنتجين المحليين حتى عندما يتلقوا في البداية صدمات المنافسة الدولية، ويجعلك تستفيد من ميزاتها النسبية (comparative advantages). ساهمت هذه الأفكار في بلورة السياسات الاقتصادية التي تبناها بينوتشي والتي غيرت وجه الاقتصاد الشيلي، وهي السياسيات التي احتفظت بها لمدة عشرين سنة حكومات يسار الوسط مع اعتماد سياسات اجتماعية. بمعنى آخر، إن حكومة بينوتشي اخترعت الدجاجة التي تبيض ذهبا، والحكومات الديمقراطية لم تقتل الدجاجة ولكنها سعت إلى توزيع البيض بشكل أفضل، وحافظت هذه الحكومات على مسعى إدماج الشيلي في المجتمع الدولي اقتصاديا، وأصبح للشيلي أكبر عدد من اتفاقيات التجارة الحرة من أي دولة أخرى، إذ وقعت اتفاقيات مع الصين و اليابان والنافتا [ N.A.F.T.A.: اتفاقية التبادل الحر بين بلدان أمريكا الشمالية] وغيرها. فيما بعد تطور ما يسمى بإجماع واشنطن، ولكن الشيلي كانت قد خطت خطوات عديدة في ذاك الاتجاه.

نظرية التبعية والاعتماد على الذات التي كانت استلهمت أفكارها من الثورة الصينية ومن كوريا، أصبحت موضوع مراجعات وتساؤلات، لأن منجزات الاعتماد على الذات ونظام التصنيع المحلي كانت متواضعة عبر السنوات. أنا لا أدعي بأن سياسة مختلفة في إطار الليبرالية الجديدة ستحل المشكل، فقناعتي هي أن ينجز السوق ما هو قادر على إنجازه على أساس قواعد مناسبة تنظمه، بدون الاعتقاد بأن السوق سيحل المشاكل التي ليس باستطاعته حلها، مثل التعليم، والسياسات الاجتماعية، وسياسات خلق الفرص. في نهاية الأمر، كانت تلك هي الطريقة التي اتبعتها الديمقراطيات الاجتماعية الناجحة في أوربا، وتمكنت من أن تحقق مستويات عالية من الرفاه الاجتماعي في ظل حرية اقتصادية مقيدة بضوابط معينة، بكل المشاكل وسوء الفهم الذي يصاحبها. هذا التوجه هو الذي أصبح يشكل الباراديغم الجديد الذي عوَّض براديغم نظرية التبعية. من جهة أخرى، فإن مسألة هزيمة اليسار دفعت إلى إعادة النظر في مسألة إلقاء اللوم على الذئب الكبير الشرير. إن هذا الذئب الشرير لا شك أنه موجود، ولكن يجب ألا تَنظر فقط إلى هذا الذئب الشرير الذي يتمثل في الإمبريالية وقبلها في الاستعمار، أو ما سمي لفترة الهيئة الثلاثية [ Commission Trilatérale : منظمة غير حكومية تأسست سنة 1973 ]، وصندوق النقد الدولي. فبالرغم من أنه يمكن إلقاء اللوم على هذه العوامل الخارجية، إلا أنها لوحدها لا تفسر عيوبك الداخلية، وغياب عزيمتك، وضعفك الاقتصادي والسياسي.

إن أمريكا اللاتينية تنحدر من التقاليد الأيبيرية، وهناك من يعتقد أن هذه التقاليد جلبت معها نِعمة ولعنات، النعمة هي اللغة الإسبانية، واللعنات هي كل ما تبقى. إنها تقاليد تنزل من الأعلى إلى الأسفل، إلى القاعدة، وهي تقاليد ترتكز على المبدأ القائل بأن على النبلاء ألا يشتغلوا، بل أن يخدمهم شخص آخر غيرهم. إنها أيضا التقاليد الكاثوليكية، في الوقت الذي تتشبع البروتستانتية بثقافة مقاولاتية قوية وتنبع من الأسفل. إن الأنظمة الفيدرالية في كندا و ألمانيا نشأت من أسفل وهي أنظمة قوية وتعتمد على ذاتها. بالمقابل، فالأنظمة الفيدرالية الأربعة في أمريكا اللاتينية، في كل من البرازيل والمكسيك و الأرجنتين وفينزويلا، كلها انطلقت من أعلى، وعوَض أن تكوِّن اتحادات قوية تتحد فيما بينها، تعيش هذه المناطق على منح الحكومات الفيدرالية، وهو ما يعكس جذور الثقافة الأيبيرية. أشير إلى أنني أستثني من هذا التحليل إقليمي ساو باولو في البرازيل أو بوينس آيريس في الأرجنتين اللذان يعرفان وضعية استثنائية مقارنة بباقي التجارب اللاتينية. إنني لن ألقي الآن التهمة على الذئب الكبير المتمثل في الاستعمار الإسباني ولكن لا بد وأن للأمر علاقة بثقافتنا السياسية، وبضعفنا السياسي، وبالفكرة التي تجعلنا نعتبر أنفسنا ضحايا. إننا يمكن أن نكون كذلك، ولكن ليس إلى الدرجة التي نتخلى فيها عن تحمل مسؤولية مصائرنا.

سؤال:

تبدو البرازيل كما لو أنها خارجة عن مسار المصالحة هذا، كيف تفسر ذلك؟

جوزي زالاكيت:

عرفت البرازيل الانقلاب الذي أطاح بجواو كولار Joao Goulard، وهو الانقلاب العسكري الشعبوي الذي حكم منذ 1964. وشهدت تلك الحكومة العسكرية تحولا سنة 1968 نحو نوع من الأنظمة السلطوية التي انتشرت بعد ذلك ببضع سنوات في كل من الأرجنتين والأورغواي والشيلي. لكن البرازيل التي حكمتها طغمة عسكرية لفترة تاريخية أطول، عاشت تحولا تدريجيا نحو ما يسمى بالبرتغالية “الأوبرتورا”، أي الانفتاح. ولذلك، فعندما حدث الانتقال أخيرا إلى حكومة منتخبة سنة 1985، كانت أسوأ انتهاكات حقوق الإنسان قد وقعت قبل ذلك بعشر أو خمس عشرة سنة، الشيء الذي ساهم في تهدئة الأجواء، على عكس ما وقع في الأرجنتين التي عرفت تحولا مفاجئا وكانت الانتهاكات فيها وقت الانتقال لا زالت حديثة العهد. ومع ذلك، فقد كانت هناك محاولات للنظر إلى ما جرى في الماضي، إلا أن هذه المحاولات لم يتم تبنيها بشكل رسمي، ولكن قادتها تحالفات دينية تزعمها الكاردينال أرنس، أسقف ساو باولو، والذي له أكبر عدد من الأتباع في العالم، لأن عدد سكان ساو باولو يتجاوز 28 مليونا نسمة.

اجتمع الكاردينال أرنس مع عدد من الطوائف البروتستانية وأصدروا تقريرا سُمِّي “البرازيل كما لن تتكرر”، وقد كان تقريرا جيدا وعرف انتشارا واسعا. بعد ذلك بعدة سنوات قدمت حكومة كاردوسو التعويض للضحايا، وقامت بتحقيقات حول الانتهاكات، ولكن المصالحة في البرازيل لم تتطور إلى أن تصبح تجربة قوية كما كان الأمر بالنسبة للأرجنتين أو الشيلي أو البيرو أو حتى المغرب. يمكن تفسير هذه الوضعية بكون أن البرازيل دولة شاسعة بحجم قارة، وأن عدد سكانها مرتفع يصل إلى 160 مليون نسمة، وأنها ذات غنى وثروات هائلة وامتداد ترابي شاسع، وأن الحركات الثورية التي ظهرت فيها انحصرت في ضواحي المناطق الحضرية الكبرى مثل ساو باولو، و ريو دي جانيرو، و بورتو أليغري. هذا بالإضافة إلى أنها عرفت انفتاحا سياسيا تدريجيا ونموا اقتصاديا سريعا وبشكل أكثر سرعة تحت حكم لولا دا سيلفا. هذا الرجل الذي كان يشتغل كعامل متواضع ثم أصبح رئيسا تبنى سياسة حكيمة لا تغفل السياسة الاجتماعية ولكن في نفس الوقت لا تقتل دجاجة البيض الذهبي.

فقد طورت البرازيل شبكة من البرامج لحماية الفقراء والتي تعرف نجاحا مشهودا به على المستوى العالمي. واليوم تعتبر البرازيل القوة الاقتصادية العاشرة أو الثانية عشر على الصعيد العالمي وتعرف نموا متواصلا. كل ذلك جعل البرازيليين يولون الأولوية للتطلع للمستقبل عوض العودة إلى الماضي. وبالرغم من أن مجهودات بذلت من طرف جماعات دينية ثم بعد ذلك من طرف الحكومة للاهتمام بماضي الانتهاكات، إلا أن هذه المجهودات انحصرت في عمليات مركزة ولم تتحول إلى برامج شاملة كما كان الأمر بالنسبة لجيران البرازيل.

سؤال:

هناك مسألة ذكرتها مرارا في حديثك عن تجارب الحقيقة والمصالحة، وهي أن لكل دولة ديناميتها الخاصة وسياقها الخاص وتاريخها الخاص، مما يجعلنا أمام تنوع كبير في الكيفية التي تعاملت بها الدول مع ماضيها العنيف. هل هناك شيء ما تعلمناه من تجارب المصالحة التي فاقت اليوم الثلاثين، والتي تمكننا من التوصل إلى تعميمات؟ هل لديك تصورات عن إمكانية القيام بتعميم محتمل، أم أن هذا الأمر غير ممكن ما دامت كل دولة تبحث عن طريق خاص بها ؟

جوزي زالاكيت:

هناك تعميمات، لكن في نفس الوقت عندما تريد أن تطبق تعميما ما على حالة خاصة، فأنت مطالب بأن تنتبه إلى خصوصيات الدولة المعنية. وهذه التعميمات سأذكرها كالتالي:

أولا، إن نوع الانتهاكات التي ارتُكبت في الماضي وحجمها هي كلها عناصر مهمة، فليس بالإمكان مثلا نسيان الانتهاكات الجسيمة التي تصل إلى مستوى التقتيل الجماعي أو حالات الاختفاء الهائلة العدد. ثانيا، نوع الأزمة مسألة مهمة. إذا كان الصراع ذا طابع إيديولوجي كما هو الأمر بالنسبة لأمريكا اللاتينية، فإنه يكون أسهل للحل مما لو حدث بسبب عداوات دينية و إثنية دامت لعدة قرون، كما هو الشأن بالنسبة ليوغسلافيا سابقا. في هذه الحالة ليس هناك من حل لوضع حد للنزاع سوى الانفصال والذي يكون بدوره أليما. إن الانفصال هنا هو وحده القادر على وضع حدد للاقتتال بين المسيحيين والمسلمين والأورثودوكس، وبين البوسنيين والمسلمين والكرواتيين.

هناك أيضا نوع مسلسل الانتقال والذي يشهد مع مرور الوقت ديناميته الخاصة. ففي بداية الانتقال تكون هناك وضعية ما. الجيش مثلا في بداية الانتقال قد يكون منهزما، كما كان الأمر بالنسبة للأرجنتين أو اليونان، هذه الوضعية ديناميكية، فيما بعد، يسترد الجيش بعض وحدته، ولكنه يكون في وضعية انهيار إلى درجة أن الحكومة الأرجنتينية قلصت من ميزانية الدفاع بشكل كبير، الشيء الذي لم يكن بالإمكان تحقيقه في البيرو أو في الشيلي، حيث لم يتعرض الجيش لهزيمة أو إهانة. في الشيلي، كان هامش التحرك في البداية محدودا، لأن هزيمة الجيش كانت سياسية ولم تكن هزيمة عسكرية، ومع ذلك، فبسب اختيار مقترب ما سمي ب “كسر الجليد” الذي اتبعته هيأة الحقيقة هناك، فإن صدمة عامة شملت كل البلد، مما سهَّل جبر الضرر والعدالة عن طريق الدور الريادي الذي لعبته الحقيقة في عملية المصالحة. إن الوضعية إذن ديناميكية. وإذا ما نظرتَ إلى وضعية الشيلي، بعد 19 سنة حققنا أهدافا هامة بشكل مرض. إن الحقيقة في الشيلي ليست موضوع شك. هناك خلاف حول الأسباب التي أدت إلى ما حصل لكن ليس حول ما حصل في حد ذاته.

هناك خلافات حول عمليات جبر الضرر، لأن بعض الطلبات كانت مزيفة، لكن اتُّخذت تدابير في اتجاه تحقيق العدالة، فعدد من المسؤولين عن الانتهاكات يقضون اليوم الأحكام بالسجن التي صدرت في حقهم. إن الأمر تطلب وقتا طويلا، خطوة خطوة طيلة تسع عشرة سنة. نفس الأمر بالنسبة للأرجنتين، وإن كان المسار هناك اتبع خطا منعرجا. في دول أخرى يمكن قياس الإنجازات وتقييمها بشكل مختلف. ليست هناك حلول كاملة، هناك حلول أفضل أو أسوا من غيرها، ولكن بما أن هذه العملية هي مجهود بشري ومجهود سياسي، فإن الوضعية المثالية المرجوة شيء، بينما المنجزات أمر نسبي، وهي جزء من الحالة المثالية الكاملة، وفي هذه الحالة، يبقى على المرء أن يجد الكيفية المناسبة ليصالح نفسه مع المبادئ المثالية. أنظر إلى فرنسا مثلا، لقد تمكنت من أن تجد الشكل الدبلوماسي المناسب لكي تبلور تعبيرla résistance ، المقاومة، كما لو أنها حالة مرتبطة بفرنسا كلها خلال الحرب الثانية. فعلا لقد وجد أربعة أو خمسة آلاف مقاوم، ولكن في نفس الوقت كان هناك أربعون ألفا من العملاء الذين تعاونوا مع النازية. إن فرنسا لم تتمكن من أن تعالج هذا الإشكال الذي أرهقها نفسيا، وتطلَّب الأمر انقضاء عدة عقود قبل أن تشرع في إعطاء الأولوية لمحاكمات عملاء النازية. انظر أيضا ما حدث في إسبانيا، حيث مسألة الحرب الأهلية لا زالت لم تعالج بعد، رغم مرور خمسين سنة على وقوعها. لكن هاهي مقابر الحرب تُفتح اليوم.

أنا لا أقول إن علينا أن نجلس في هدوء وننتظر أن يسير الزمن في مجراه، بل على العكس، نظرا لأن المسألة تتطلب وقتا طويلا، يجب أن نشرع في العمل ابتداء من الآن. لكن على المرء أن يعرف أن تحقيق التقدم مسألة ضرورية في هذا الموضوع. هذا درس مهم. بالنسبة لي الدرس الذي تعلمته هو أنه إذا لم تكن لك القدرة على أن تحقق كل ما ترغب في أن تحقيقه على أساس المبادئ الأخلاقية، فعلى الأقل اتبع الطريق الذي سيحافظ على الوعد وسيقوي موقفك في المستقبل لكي تلعب اللعبة بشكل أفضل عندما يحين وقتها، ولا توافق على أي عملية غير مشروعة حتى إذا لم يكن باستطاعتك أن تغيرها. الرئيس ألفونسين لكونه لم يقرأ أوراقه بشكل جيد انتهى به الأمر لكي يوافق على مسألة “الامتثال للواجب” و”النقطة الأخيرة” وغيرها من العمليات غير المشروعة، وكان ذلك خطأ. ربما كان الخطأ اقتُرِف من قبل عندما لعب ألفونسين أوراقه كلها منذ البداية.

هناك إذن دروس عامة يمكن استخلاصها. بالنسبة لهيئات الحقيقة، هناك نوعان، الأرجنتينية والشيلية، اشتغلتا وهيئتا التقرير، وبعد ذلك وُزِّع التقرير بشكل واسع. لكن كان من الضروري أن ينجز تقرير صلب لا يمكن أن يشكك أحد في قوته قبل توزيعه على الجمهور الواسع لأن البلد كان لا يزال منشقا. في جنوب إفريقيا، والبيرو والمغرب أيضا، نُظِّمت جلسات الاستماع وأصبحت علمية إنجاز مهمة الهيئة بنفس أهمية التقرير النهائي إن لم تكن أكثر أهمية منه، لأن الانتهاكات في هذه البلدان كانت معروفة، وكان المنتظر هو تقديم التفاصيل عن هذه الأحداث وإعطاء فرصة الكلام للذين كانوا ممنوعين من الكلام. إن هناك إذن أهداف متنوعة. بعض الباحثين كتبوا بسرعة منتقدين الشيلي والأرجنتين لأنهما لم ينظما جلسات الاستماع. إن معظم الناس اعتقدوا أو رغبوا في الاعنقاد أن تلك الانتهاكات لم تحدث قط، وكان هذا الاعتقاد الراسخ سيجعلهم يرفضون أية عملية تدفعهم إلى أن يشككوا في ولائهم للجيش الذي أنقذهم من الشيوعية. لذلك، وبسبب الحاجة النفسية إلى الإنكار، كان من الضروري أن يزاح حجاب الجهل والإنكار وأن يُكشف عن الحقيقة. لكن لو أن ذلك تم بسرعة ومن خلال التلفزة وجلسات الاستماع، لكان أدى إلى جدل طويل دام طيلة فترة أشغال الهيئة لأنه لم يكن هناك إجماع بأن الانتهاكات حدثت حقا. العديد من الناس كانوا ينكرون ما وقع، وكانوا في حاجة إلى الإنكار. كان من الضروري إذن أن تُصحَّح هذه التصورات لديهم تدريجيا خطوة خطوة، ولم تكن جلسات الاستماع الخطوة الأولى المناسبة. هذه الضرورة كانت مختلفة إذن عن وضعية جنوب إفريقيا والبيرو والمغرب، حيث الخطوة الأولى كانت تتطلب الاعتراف أولا بكرامة الضحايا وإعطائهم فرصة الكلام، مع تقديم التفاصيل عما حدث والعمل على جبر الضرر طبعا، ولكن في هذه الدول الثلاثة لم يكن أحد ينكر بأن أشياء فظيعة حدثت في الماضي.

سؤال:

هناك مسألة مشتركة بين الشيلي والمغرب. في مقدمة التقرير الختامي لهيئة الحقيقة في الشيلي ذكرت أنكم قررتم ألا تكتبوا سياق الانتهاكات، أي أن تتجنبوا الإجابة على السؤال لماذا حدث ما حدث. في المغرب، واجهت هيئة المصالحة نفس الإشكال، واختارت ألا تقدم جوابا عن السياق، بل أن تركز على توثيق الانتهاكات بما توفر لديها من وثائق وشهادات وأن تترك كتابة السياق للمؤرخين. واليوم يهيئ برنامج جامعي سيكوِّن باحثين يتخصصون في دراسة التاريخ الراهن. كيف تعاملتم في الشيلي مع هذا الإشكال؟

جوزي زالاكيت:

كانت لدينا أجوبة مشابهة لكن مع بعض الاختلافات. لقد توصلنا إلى خلاصة مفادها أنه إذا أردتَ أن تفسّر، لا أن تبرِّر ما حدث، عليك أن ترجع إلى حكومة ألييندي وأن تقول بأنها لم تكن حكومة تسعى إلى أن تقوم بثورة اجتماعية ، وعليك أن تقول أيضا بأن ذلك كان نتيجة للانقسامات العميقة التي عرفتها السياسة الشيلية، ثم أن ترجع إلى ما قبل ذلك، وما قبله وما قبله لتصل إلى فترة الاستعمار والاحتلال، وإذا تتبعت سلسلة السبب والنتيجة فإنك لن تتوقف. ولكننا قررنا أن هناك مرجعية للسياق التي من الضروري تقديمها والتي تبتدئ بتحديد الإطار الذي تمت فيه ممارسة القمع والتعريف بالإطار القانوني الذي مورس فيه وبالعناصر المسؤولة عنه وبطرق ممارسته. بالنسبة للماضي كانت هناك ضرورة التركيز على مسألة القِيَم، والتعريف بالفترة التي أصبح فيها الفاعلون السياسيون المتعارضون في الشيلي ينكرون على بعضهم البعض حق التمتع بحقوق الإنسان. إن تبرير الثورة المسلحة من طرف المعارضة وتبرير القمع من طرف الدولة انطلق من كون الآخرين، الأعداء السياسيين، ليسوا بشرا. إنهم بالنسبة للمعارضة بورجوازيون، البشر لهم حقوق لكن البورجوازيين ليست لهم حقوق. أو وعلى العكس من ذلك، إن الأعداء بالنسبة للسلطة ثوريون، وهم لذلك يعتبرون سُمّا وشرا مطلقا، وعندما تُنكِر إنسانيةَ الآخر فإنك تتوقف عن اعتباره منافسا أو معارضا، بل عدوا أقل من بشر، وتتنكر بالتالي كلية لحقوق الإنسان. ركزنا على هذا الجانب كسياق للانتهاكات عوض تأويل الصراع الطبقي. تركنا ذلك الجانب للمؤرخين والمسرحيين و مؤلفي التاريخ الشفوي.

سؤال:

ماذا تحقق في الشيلي منذ ذلك الوقت؟ هل هناك اليوم انتعاش في مجال كتابة التاريخ؟

جوزي زالاكيت:

عندما أُنجز تقرير هيئة الحقيقة أحدث صدمة في الشيلي. طُبع في شكل ملاحق للجرائد الرئيسية وكان بإمكان الناس اقتناءه بما يناهز مبلغ عشرة دراهم عندكم، ثم طبع في كتاب وكان البلد كله يتناقش حوله، لكن بعد شهر من نشر التقرير اغتال اليسارُ المتطرف العقلَ المفكر لليمين وغطى هذا الحدث على أصداء التقرير. واعتبر اليمين أن له الآن شهيدا، كان بمثابة بريمو دي رفيرا في إسبانيا الذي كان أُعدِم سنة 1936. لم يتوقف النقاش، ولكن لكي ينتقل من انحصاره في الكتابات المسرحية وإنجاز الأفلام الوثائقية القصيرة ذات الجمهور المحدود إلى التلفزة الوطنية الواسعة الانتشار تطلب الأمر عدة سنوات. كانت هناك مشاكل مع التلفزة الوطنية حول موضوع التاريخ العنيف للشيلي. لكن، وبعد ذلك بتسع سنوات، التقت قيادة الجيش التي خلفت بينوتشي حول طاولة المناقشات جمعت محامين وعائلات الضحايا، واعترفت المؤسسة العسكرية بالحقيقة التي كانت الأحزاب السياسية قد اعترفت بها قبل ذلك بتسع سنوات أمام إنكار الجيش لما وقع. هذا الاعتراف تلته تصريحات من طرف قيادة الجيش التي كان سنها أصغر من بينوتشي بثماني وعشرين وتسع وعشرين سنة، بنوتشي الذي كان تقاعد وقتها. كانت القيادة تمثل جيلا جديدا من الذين لم يكونوا إلا طلابا في مدارس عسكرية أو في مراتب عسكرية دنيا وقت انقلاب بينوتشي والذي كان وقتها في مرتبة جنرال. أصدرت القيادات العسكرية بلاغات جديدة ونطقت بالكلمات المقدسة “لا قمع بعد الآن.” وبذلك أعلن الجيش مذهبه الجديد بأنه لن يتم بعد الآن القبول بانتهاكات حقوق الإنسان. لم يقل بينوتشي قط بأن الانتهاكات لن تكون مقبولة، لإنه كان ينكر وقوعها أصلا، وكان الجميع يعرف أن ذلك كان هو الموقف الرسمي للمؤسسة العسكرية من مسألة الانتهاكات. أما الآن، فإن الجيش نفسه يصرح بأن الانتهاكات أصبحت غير مقبولة. وتدريجيا، أُدرجت دروس حقوق الإنسان والقانون الإنساني في البرامج التعليمية للجيش، ويُطلَبُ مني تدريسها، الأمر الذي أقبله بكل سعادة لأنه من المهم أن تُدرّس هذه المفاهيم للجيش بكل مراتبه. إن حقوق الإنسان اليوم تشكل جزءا من مقررات التعليم العسكري. إنها لا تشكل الجزء الأكثر أهمية في برامج الجيش، إنهم يدرُسون الاستراتيجيات والتكتيك أكثر مما يدرُسون حقوق الإنسان، ولكنها جزء من مقرراتهم. أما بالنسبة لإدماج حقوق الإنسان في مقررات التعليم المدنية، فقد كان الأمر أكثر صعوبة. أحد الأسباب هو أن الحكومة العسكرية قلصت ميزانية التعليم العمومي بشكل كبير، وخلقت هوة واسعة بين التعليم الخصوصي والتعليم العمومي الذي سعت إلى إفقاره. ولم تقم الحكومة الحالية بتغيير يذكر لهذه الوضعية بالرغم من أنها رفعت من أجور المدرسين، إلا أن هؤلاء لا زالوا يترددون في التعامل مع مواضيع جديدة مثل حقوق الإنسان، لأن ذلك يعني عملا إضافيا بالنسبة لهم. وبالنسبة لليمين، فهو يصِرُّ على أن يكون له رأي في أي برنامج لمراجعة تدريس التاريخ. يقول اليمينيون إذا كنتم ستُدرِّسون تاريخ أليندي فلابد من أن تُدرِّسوا مساوئه أيضا. ولذلك فالمسألة لم تحسم بعد. إن العديد من المدارس لها مقرراتها الخاصة بها، وليس هناك مقرر موحد على الصعيد الوطني. وعلى مستوى التعليم الجامعي، هناك عدد من المراكز، ثلاثة منها ممثلة هنا في المغرب اليوم، خورخي كوريا كان عميد جامعة الحقوق في كومبوتاليس حيث أنشأ مركزا لحقوق الإنسان ومن هناك انتقل إلى المحكمة الدستورية، إيليزابيث ليرا هي رئيسة لمركز في جامعة موكونثال، وأنا كنت مديرا لمركز حقوق الإنسان في جامعة الشيلي.

سؤال:

هل هذه المؤسسات ممولة من طرف الدولة؟

جوزي زالاكيت:

جامعة الشيلي ممولة من طرف الدولة، لكن المؤسستين الأخريين خصوصيتان. بالنسبة لمركزنا تساهم الدولة بعشرين في المائة من ميزانيته، ونحصل على بقية الميزانية عن طريق ممولين دوليين خواص. لأننا نقدم مواد تغطي كل أمريكا اللاتينية، والشيلي لم تعد مؤهلة للحصول على المساعدات الأجنبية الحكومية، ولا يجب أن تحصل عليها، لأننا في الشيلي نتقدم اقتصاديا، وتجاوزنا عتبة النمو التي تسمح بالحصول على المساعدات الحكومية، بل إن من واجب الشيلي اليوم أن تساهم في دعم دول أخرى بدل من أن تحصل هي على هذه المساعدات. إننا نقول للدول المتقدمة إننا نعمل لصالح منطقة أمريكا اللاتينية ككل من خلال الدروس التي نقدمها، والتداريب التي ننظمها ، وبنفس الشكل الذي تقدمون به الدعم لـ”هيومن رايتس واتش” بالرغم من أن مقرها يوجد في نيويورك، عليكم أن تدعمونا لأننا في الشيلي ولكننا نعمل لصالح أمريكا اللاتينية. نحن ننجح في الحصول على الدعم بهذه الطريقة، بالإضافة إلى الدعم الذي نحصل عليه من طرف الحكومة الشيلية. التلفزيون انفتح على قضايا ماضي الانتهاكات وحقوق الإنسان، كذلك الأمر بالنسبة للجامعات، لكن ليس على مستوى التعليم الابتدائي والثانوي حيث لا زلنا متخلفين في هذا الموضوع.

أُنجزت بعض المشاريع للحفاظ على الذاكرة سواء على المستوى الوطني أو في الأقاليم، وستُدَشِّن رئيسة الشيلي متحفا للذاكرة في الشهر القادم. بالنسبة للجيل الجديد، إذا ما قمتَ باستمارة على المستوى الوطني وسألتَ الطلبة عن القضايا الرئيسة التي تشغلهم سيجيبون بأنها الأمن، الجريمة، الشغل، التضخم، وتكون حقوق الإنسان في المرتبة العاشرة، ما عدا في الحالات التي تظهر فيها فضيحة، فتنقلب الوضعية. لكن هناك البعض الذين يهتمون بحقوق الإنسان، وهم يشكلون الأقلية، وآخرون يدافعون عن قضايا حقوقية محددة كالبيئة و السكان الأصليين والفساد، لأن الشباب تعب من السياسة الحزبية التي يعتبرها متجاوزة وفي حاجة إلى أن تتجدد. وفي نفس الوقت فإن أغلبية الناس مهتمة بقضايا الحياة اليومية وتعتبر أن حقوق الإنسان هي قضية تعود للماضي وتفضل بدلها أن تتطلع للمستقبل.

سؤال:

يُقدَّم اليوم الانتقال والمصالحة كبدائل لاعتماد العنف في عملية التغيير السياسي بعد أن كانت وسائل التغيير في الماضي هي الثورات والمعارضة المسلحة. هل لك الثقة بأننا نسير في هذا الاتجاه هناك فكرتان متداولتان حول الموضوع، الأولى تقول بأن هناك مسار نحو تهميش العنف السياسي، والثانية تعتبر أن التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى، فكما كان الأمر بالنسبة للثوار الماركسيين في الستينيات هناك اليوم الأصوليون سواء كانوا مسلمين أو من ديانات أخرى والذين يتبنون العنف السياسي. ما هي قراءتك لهذه القضايا؟

جوزي زالاكيت:

بداية أتذكر أنه بعد نهاية الحرب الباردة كتب صحفي أمريكي عمودا تحت عنوان “عطلتنا من التاريخ.” وفي رأيه، وكما كان رأي فوكوياما، فإن الصراع الإيديولوجي الكبير، الصراع الهيغيلي للإيديولوجيات الذي دام طيلة قرنين، قد وصل إلى نهايته بعد هزيمة الوطنية والنازية ثم هزيمة الماركسية الاشتراكية والآن ما علينا إلا أن نستريح. هذا الإحساس استمر حتى 11 شتنبر، بعده جاء هانتغتون يتحدث عن هوة وانشقاق وحروب بين الحضارات. العديد من الناس انتقدوا هذا المفهوم. في السابق، قبل القرن الثامن عشر كانت هناك حروب الديانات، ومع الثورة الفرنسية بدأت المواجهات الإيديولوجية، واليوم نحن نواجه شيئا لا زلنا لا نعرف ماذا نسميه، لكنه أمر جديد. إنه عدو ما-دون-دولة sub-state وهو عدو غير مُمركَز، ومعولم، وذو رغبة وقدرة على التدمير. ماذا تفعل به إذن؟ كون بوش تصرف كثور في متجر للخزف الصيني لا يعني أن الخطر غير موجود. إن الخطر حقيقي. لقد كان رد فعل بوش بليدا، ولكن كون أن رد الفعل بليد لا يعني أن عليك أن تغفل المشكلة وكيفية التعامل معها. إنه سؤال كبير ليس لدي جواب عنه. إن باستطاعتي أن أشير إلى المشكل فقط إن الحروب بالنيابة التي انتشرت خلال الحرب الباردة تراجعت بالفعل. خلال التسعينات

انفجرت العديد من النزاعات في يوغسلافيا سابقا، وفي لبنان، لكن إذا نظرت حولك، فتجد أن هذه النزاعات تختلف عن نزاعات الحرب الباردة، ففي أمريكا اللاتينية الحرب الوحيدة التي استمرت هي حرب كولومبيا. إني لا أنكر بهذا ما تعرفه أمريكا اللاتينية من مشاكل وتوترات اجتماعية وجريمة منظمة، لكني أتكلم عن النزاع الداخلي المسلح الذي اختفى تقريبا. وتعرف النزاعات في إفريقيا تقلبات بين التنامي والتراجع، لكن الصورة اليوم هي أقل عنفا مما كان عليه الأمر في السابق، مع الأخذ بعين الاعتبار سيرا ليون منذ عشر سنوات، أو يوغندا أو درفور. إن النزاعات هي اليوم أقل عددا من السابق، لكن تقلص النزاعات التي تندلع لأسباب إيديولوجية لا يعني أن المشاكل الداخلية قد اختفت، إذ من المحتمل أن تطفو على السطح في أي وقت التوترات ذات الطابع المحلي. من الصعوبة التنبؤ بما سيحدث مستقبلا. كان نييلس بور Niels Bohr، عالم الفيزياء الدنمركي يقول ساخرا “إنه من الصعب أن نقدم تنبؤات، خاصة تلك التي تتعلق بالمستقبل.”ما ألاحظه هو أنه من المؤكد أن المرتكزات الإيديولوجية التي تؤدي إلى تبني المواجهة المسلحة العنيفة كوسيلة للتغيير قد ضعفت. لا شك أنك تذْكر النظريات التي أطَّرت الثورات والثورات المضادة التي عرفتها الصين والفيتنام والجزائر وكوبا وبوليفيا. هذه الأنواع من النزاعات تراجعت. مع ذلك، فإن مواجهة بين الحضارات، والإحساس في العالم الإسلامي في صفوف العناصر الأكثر نضالية والذين يعتقدون بأن قوى شريرة ملحدة تسيطر على العالم يعتبر فعلا مشكلة حقيقية، خاصة إذا ما تذكرنا مقولة عالم بيولوجيا مشهور بأن هناك ثلاثة أنواع من التطور هي كلها تدعو للقلق. الأول هو أن ما تم اكتشافه لا يمكن محو اكتشافه، فعندما تمتلك القوة النووية فإن لديك قوة نووية، أو أسلحة مدمرة أخرى. ثانيا، ما تم اكتشافه ولا يمكن محو اكتشافه سوف يتم استعماله إذا كان ذلك يخدم مصلحة مجموعة ما. ثالثا، كل ذلك يصبح أقل تكلفة ومتوفرا بسهولة. لو وضعت هذه التطورات الثلاثة معا، فإنك سترتعد من الخوف، لأن المستقبل قد يخفي مستويات من الدمار أكبر بكثير من السلاح المدمر للحرب الباردة، عندما كان الشبان في السبعينات يتساءلون عن جدوى إنجاب أطفال في العالم، و يسعون للحصول على قروض من الأبناك لبناء مخابئ تحت الأرض تحميهم من أخطار الأسلحة النووية. كان ذلك هو المناخ السائد وقتها. المناخ اليوم مختلف. لكن مخاطر الأمن تتضاعف ويصعب توقعها. وهذا الأمر لابد وأنه مع مرور الوقت سيصبح سائدا أكثر فأكثر. سوف نرى مخاطر أكثر من هذا القبيل. ولذلك، فإنني أخشى، وأعترف بأني متشائم حول المسألة، على أنه في ظل هذا القلق المفهوم، فإن أغلبية الناس ستتجه نحو تفضيل التضييق على الحريات الفردية في سبيل ما يعتبرون أنها ضمانات لتحقيق الأمن.

سؤال:

أنهي بسؤال أخير، ما هي الكتب التي تجدها أكثر إلهاما بالنسبة لك؟

جوزي زالاكيت:

إن أكثر الكتب إلهاما حول السياسة التي قرأتها واضحة في ذهني، أولها الأمير، ليس ككتاب يقدم التعاليم ولكن ككتاب للملاحظة، أنا لا أفضل ماكيافيللي رجل الأخلاق ولكن ماكيافيللي الملاحِظ. الكتاب الثاني هو الديمقراطية في أمريكا لدوتوكفيل. إنه أدق مؤلَّف كُتب عن الديمقراطية وضد الأليغارشية. ثالثا، كتاب عن الحرب لكارل كلوسوفتز Carl Clausewitz. أريد أن أضيف لهذه اللائحة كتابا عن تاريخ الحروب، اعتبر أن أب كتابة التاريخ ليس هيرودوتوس ولكن توسيديدس وكتابه عن الحروب البولوبونيسية. إنه كتاب في غاية الأهمية. أما بالنسبة للروايات فلدي روايات قديمة مفضلة. عندما أعود إلى القرن السابع عشر هناك طبعا سرفانتس وشكسبير، وبالنسبة لهذا القرن، أقرأ لعديد من كتاب أمريكا اللاتينية، وحاليا فأنا من المعجبين بالأمريكي فيليب روث Philip Roth، وبكويتزي J.M. Coetzee ، الجنوب إفريقي.

 

- عبد الحي مودن

جامعة محمد الخامس – كلية العلوم القانونية والاقتصادية – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*