السبت , 27 نوفمبر, 2021
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » الطاعون وأبعاده الأخلاقية والفكرية

الطاعون وأبعاده الأخلاقية والفكرية

ألبير كامو، الطاعون، ترجمة كوثر عبد السلام البحيري، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة، 1401هـ / 1981م.

     يعدّ ألبير كامو (1913- 1960) من أبرز الروائيين الفرنسيين الذين لمعوا في مجال الفلسفة والأدب، ولد بالجزائر وعاش بفرنسا وبينهما كتب رواية الطاعون سنة 1947 أثناء احتلال فرنسا للجزائر، هذه الرواية  هي التي حصل بها على جائزة نوبل للآداب سنة 1957.

    بدأ كامو الرواية بوصف وهران المدينة الهادئة التي تعدّ بمثابة مديرية فرنسية على شاطئ  جزائري، وصف طبيعتها وعادات وتقاليد سكانها وطرق عيشهم وما يتخللها من ابتذال وقلة طرافة، ثم انتقل إلى الحديث عن غزو الفئران للمدينة تدريجياً وعن الهلع والخوف الذي سبّبه ظهورها غير المعهود  وهي تترنح صريعة في كل الأزقة، وذلك  قبل أن ينتقل إلى وصف مشاهد الموت، وكيف توغل بين ثنايا المدينة بلا هوادة حيث بدأت الجثث تتساقط تباعاً وبلا سابق إنذار، إلى أن تم إعلان وهران مدينة مغلقة تفاديًا لانتشار مرض الطاعون وما يترتب عنه من أضرار نفسية ومعنوية واجتماعية، وصولا إلى نهاية الرواية بانتهاء الوباء وعودة الحياة إلى المدينة.

    مع ارتفاع خط الأحداث روى كامو تحوّلات المدينة وكيف انتقلت من مدينة هادئة إلى خندق معزول ملتف على من فيه كأنه سجن كبير محكوم على رواده بالإعدام وهم يرزحون تحت وطأة المرض العضال، مندهشين لا يصدقون أنه الوباء، وظلوا يعتقدون أنه مجرد كابوس سرعان ما سينتهي وسيعودون إلى سابق الأيام. “كانوا إنسانيين: كفروا بالأوبئة” على حدّ قول كامو، فظنوا لوهلة أنهم أحراراً وأن الأوبئة مجرد أوهام عابرة، خصوصاً وأن السلطة أنكرت في البداية تفشي المرض، كما أنكرتها شخصيات الرواية، إذ يقول البواب ميشيل عبارة قاطعة: ” لا وجود للفئران في المبنى”، ويرجع الأمر إلى انفلات صبياني من أبناء الحي، أما الراوي الدكتور بيرنارد ريو فيقول: “الواقع أن أحدا لم يفكر في أن يتحرك ما دام كل طبيب لم يقف إلا على حالتين أو ثلاث. ولكن كان بحسب بعضهم أن يفكر بجمع الأرقام فيذعر ويبهت”. غلبت الظنون على الدكتور ريو قبل غيره من الآخرين فدخل في حالة من الذهول استرجع خلالها كل ما أصاب العالم قبل سنوات من أمراض وطاعون أسود حصد أرواحاً كثيرة لا تحصى ولا تعدّ، ومع ذلك انتهت المأساة وعاد النبض إلى الحياة من جديد، لذلك قرر أن يتحدّى ويصارع المرض إلى آخر رمق مستنداً على علمه وتجربته الطويلة، وعلى استشارة أصدقائه وزملائه الأطباء. ومع استفحال حالات الموت أحسّ أن ما يقوم به ليس كافياً، فدعا إلى تدخل المديرية والبلدية والسلطة استعداداً لإيقاف الطاعون والقضاء عليه، وذلك عبر فرض شروط حجر صحي إجباري تماشياً مع طوارئ المرحلة، فأصبحت الشوارع تدريجيا أقل ازدحاماً والبشر أقل انتشاراً إلى أن أصبحت المدينة هامدة بلا حراك. وهنا أثار كامو مجموعة من الأبعاد الأخلاقية والإنسانية التي تبلورت من خلال تعامل الطبيب ريو مع مرضاه وكيف كان يتحمّل المشاق الجسدية والنفسية من أجل التخفيف عنهم، وإيجاد السبل الناجعة للحدّ من المرض وحصره في فئة قليلة من السكان. كان همّه الأكبر أن يجنّبهم القلق الذي يقضي على الإنسان قبل أن يقضي عليه المرض. فعمل إلى جانب المديرية على تطبيق الإجراءات اللازمة للحدّ من الوباء على أساس أن تكون أهدافها متفقة مع الاختيارات القسرية للأفراد في ظل جائحة الطاعون، وأن تراعى النتائج المترتبة عن الإغلاق المفاجئ للمدينة، وما يسبّبه ذلك من شعور بالعجز والخوف اتجاه فراق الأحبة والأصدقاء.  وهنا يمكن استحضار فلسفة الفرنسي ميشيل فوكو الذي يعدّ السباّق إلى الكتابة عن تاريخ  السجون ومعاناة السجناء ودور السلطة في ترسيخ قواعد تحقق الانسجام والاندماج داخل المجموعة، حيث اعتبر أن أعلى المراتب التي يمكن أن تصل إليها السلطة هي عندما يشعر المنضوون تحت لوائها أنهم أحراراً وغير خاضعين لأية قيود، وسنتمكّن من خلال ذلك من فهم ما يحدث من انعكاسات على حياة الأشخاص ومستقبلهم وأفكارهم وسلوكياتهم بعد الخروج من ورطة السجن/ الوباء، وقد تكون الكتابة حول الأوبئة نافذة على الظروف السياسية والاجتماعية ويتمّ من خلالها التأريخ لتطوّر مفهوم السلطة وتشكّله داخل المجتمع، واختلاف نظرة هذا الأخير لها وفق ظروف مغايرة. يظهر هذا من خلال تعامل المديرية في الأسابيع الأولى بنوع من المرونة مع الحجر الصحي، لكنها سرعان ما أخذت المسافة اللازمة وعملت على فرض سلطتها وتطبيق الإجراءات المتخذة بكل حزم بدون مراعاة للظروف الإنسانية التي ينشدها بعض الذين ابتعدوا فجأة عن أبنائهم أو أزواجهم. في مثل هذه الأحوال يدرك الإنسان قيمة الحرية وقيمة العلاقات الإنسانية الدافئة التي ربما كان لا يعيرها اهتماماً كثيراً.  فالوقوف على مشارف النفس وتأمل خباياها يغيّر رؤيته للعالم وفق مستجدّات قد تكون بسيطة في ظاهرها لكنها متجذرة في العمق الإنساني.  فليس أصعب على الذات من أن تعيش المنفى داخل الذات وتعود إلى الماضي وهي تنظر إلى مستقبل كثيف الغمام بلا اتجاه.

     يصف كامو كيف تحوّلت معازل الحجر الصحي إلى هوة سحيقة انهارت فيها شجاعة الناس وخمدت إرادتهم وعيل صبرهم في مواجهة المجهول فأصبحوا “معلقين وسط المسافة بين هذه الهوات وتلك القمم، أصبحوا يتلاطمون أكثر مما يعيشون، ولا ملجأ لهم إلا أيام لا وجهة لها، وذكريات قاحلة، وظلال هائمة. لم تكن لتقوى على البقاء لو لم تنشب جذورها في أرض آلامهم”. هكذا أصبح كل واحد منهم يعيش يومه في وحدة تامّة اتجاه السماء، وقد أدى هذا الاستسلام التام إلى التأثير على أخلاق الناس وأفكارهم مع طول الوقت، وكانت أول مظاهر هذا التأثير اتجاه الأخلاق نحو التفاهة والابتذال فبدؤوا يضعفون أمام شعاع شمس أو قطرات مطر تساقطت فوق رؤوسهم باستمرار، وانكبوا على التأمل في أقدار السماء وعلاقتها بذنوب الإنسان. وهنا نسجّل حضور البعد الديني الذي يجسّده موقف الأب بانلو الذي أرجع أسباب الوباء في بداية الرواية إلى غضب الربّ من سكان مدينة وهران الذين ارتكبوا المعاصي فعاقبهم الله، أما في نهاية الرواية  فقد أوضح أن الطاعون  امتحان على الصبر لهؤلاء الذين فقدوا أحبابهم على إثر هذا المرض العضال.

     لكن بالرغم من الألم الكبير الذي تخلل أحداث الرواية فإن أغلب شخصياتها تضامنت مع بعضها البعض وتشبثت بالأمل من أجل تجاوز المحنة، فـ” الحياة تبدأ من اليأس”، على حدّ قول جون بول سارتر. فبعدما وصل بعض سجناء الطاعون إلى حافة الانهيار، لجؤوا إلى الخيال كوسيلة للهروب من ضعفهم وانزلاقاتهم النفسية فبدؤوا يستحضرون أقرباءهم الغائبين ويتخيّلون لقاءاتهم وأشكال عودتهم المحتملة في القريب. أما شخصيات الرواية فقد سجّلت مواقف بطولية في مواجهة الكارثة بأشكال مختلفة؛ فنجد مثلا  الدكتور بيرنارد ريو لم يكتف بدوره كطبيب في محاربة الطاعون والانتصار عليه، بل كان يشارك الآخرين الحديث عن الحبّ وعن مصائر العلاقات العاطفية في ظل تلك الظروف القاهرة وذلك من خلال حواره  مع جران الذي كان يثق فيه ويتكلم معه في خصوصياته بإسهاب، وفي حواراته الفلسفية مع الصحفي ريمون رامبير القادم من باريس بحثا عن معلومات عن ظروف حياة العرب والذي أرغمه الحجر الصحي على البقاء في الجزائر رغم عدّة محاولات للخروج منها باءت بالفشل. وهنا يطرح الروائي طريقة التفكير في المصلحة العامّة حينما تتعارض مع المصلحة الخاصّة، فيوضح حجم التوتر السائد بينهما من خلال موقف الصحفي الشاب الذي أرغمه انتشار الوباء على التخلّي عن واجبه المهني ولجوئه إلى البحث عن طريق للعودة إلى بلاده للقاء امرأة تركها في انتظاره، وهو مستعدّ في سبيل ذلك لخرق كل القوانين وركوب المستحيل دون إيلاء اهتمام كبير للعواقب، يقول: ” إن الذي يهمني هو أن يعيش الإنسان ويموت من أجل ما يحب”، في إشارة إلى أهمية الإرادة والحب في القضاء على الجائحة.  ونستمدّ من ذلك أن هناك صراعاً بين البحث عن السعادة الشخصية في مقابل الالتزام الأخلاقي تجاه المجموع، والذي يمثله الطبيب ريو الذي كرّس نفسه لمحاربة الطاعون والتضامن مع ضحاياه، على أساس أن المعاناة تجربة مشتركة وليست عبئاً فردياً، والفرد لا يمكن أن ينجو منها بمفرده بل بالاعتماد على الآخرين والتزام كل فعاليات المجتمع بالدور المنوط بها من أجل القضاء على الأمراض والأوبئة وضمان الصحة والرفاهية. 

تتوالى أحداث الرواية ويبيّن من خلالها كامو أن الأزمات تقلب النظام الاجتماعي وتغيّر ترتيب الأولويات وتدعو إلى التأمل والتفكير في الذات وفي الآخرين، فلا شيء يصبح ذا أهمية حينما تكون حياة الإنسان وإمكانية البقاء على المحك. وهو ما يحدث اليوم مع فيروس كورونا المستجد الذي غيّر نظام العالم وأوضح أن الإنسان في كلّ مكان هو جزء من المجتمع ولا يعيش حياة فردية منفصلة عنه مهما طغت فردانيته الوهمية. وهنا تبدو مجموع الرؤى والقيم والأفكار والدلالات الظاهرة التي يدافع عنها الروائي والتي تتجلّى في ضرورة الحفاظ على روح التفاؤل من أجل انتزاع الحياة من بين براثن الموت، وفي تبني المقاربة الإنسانية والانتصار لقيم المحبة والتضامن فعلا وسلوكاً في مواجهة الوباء، حيث “إن التضامن هو نوع من المشاركة في الألم… وهو فضيلة ما دام الموت بالطاعون يهدّد الجميع”، كما يقول الصحفي رامبير.

     وإذا نظرنا إلى الدلالات الخفية التي تتضمّنها رواية كامو فقد نستنتج أنه بالرغم من كونه ظاهريًا يتحدّث عن الطاعون، وكيف انبثق و تطوّر وتفنّن في الفتك بمدينة وهران في مرحلة تاريخية معيّنة، فإن موضوع روايته الحقيقي هو وباء مجازي، اجتماعي وفكري وفلسفي، يتجاوز كلّ الأمكنة والأزمنة ليستقرّ بين الأوبئة الإيديولوجية العابرة للقارات والضارة للإنسان مثل النازية التي عرفها كامو وهي تجتاح باريس سنة 1940، فعاش المأساة وانخرط في صفوف المقاومة الفرنسية أثناء الاحتلال الألماني،  من موقعه كرئيس لهيئة تحرير مجلة “القتال” السرية للمقاومة الفرنسية. وفي خضمّ هذه الأحداث المأساوية كتب روايته الطاعون، التي تمتح من الوقائع التاريخية والسياسية للعالم خلال الحرب العالمية الثانية، والتي يمكن أن يكون للطاعون فيها دلالة على النازية التي فتك فئرانها الألمان بالفرنسين… هكذا، قدّم لنا الروائي صورة عميقة عن هشاشة الوجود الإنساني أمام كائنات مرئية، ولا مرئية عدائية حتى النخاع، ووصفًا دقيقًا للحظات مواجهة الإنسان  للموت ووقوفه عاجزًا أمام جبروت الوباء.كما أعطتنا الرواية دروسًا في الإنسانية والصبر والتأمّل وفرضت علينا الانتباه إلى مفهوم الأنظمة الاجتماعية وحاجة الفرد إلى الانتماء إلى الجماعة، وأهمية الصّحة الجمعية في الحضارة المعاصرة. ومن ثم وجب علينا إعادة قراءتها بمنظور آخر خصوصاً وأنها رواية تخييلية تنبئية تحيل على هذه المرحلة التي يرزح فيها العالم تحت وطأة فيروس كورونا المستجد الذي عطّل الحياة بشكل عامّ وجعل المواطن العالمي يلتفت إلى الخلف وهو يعيش أحداثا مشابهة، حرفيًا ومجازيًا، لتلك التي صاغها روائي بارع وطغت عليها مشاهد الحزن وخطابات الهلع والخوف، ليتساءل كما تساءل سكان مدينة وهران: كيف ظهر هذا الوباء وماهي الخسائر المادية والاقتصادية والاجتماعية التي سيخلّفها؟ وهل سينسحب من الساحة كما انسحب الطاعون، فاسحاً المجال لحياة أخرى قد تكون لها أبعاد أخلاقية وفكرية ترتكز على دعائم مختلفة؟

- مليكة معطاوي

كلية الآداب والعلوم الإنسانية/الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.