السبت , 18 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الصورة في الرواية العربية

الصورة في الرواية العربية

تنطلق هذه القراءة من اعتبارين منهجيين، يسعى أولهما إلى استقراء خطاب هذا الكتاب من داخل ممارسة القراءة التي يتبناها مشروعاً واستراتيجيةً نقديين، ويروم ثانيهما البحثَ في تنظيم هذا الخطاب وعناصره البانية من حيث كونُه ممارسة معرفية ذات نسق وبناء. ولكن العملية الاستقصائية التي تطرحها هذه الورقة، لا تنظر إلى وجود قاعدة إبستيمولوجية واحدة في هذا الكتاب، وإنما هناك قراءات أخرى بإمكانها الكشف عن أبعاد جديدة وفق طبيعة المدخل الذي تعده منطلقاً لها. ولهذا أرى أن البناء الإبستيمولوجي لا يعني الخلفية المعرفية والنظرية التي كانت وراء سياق هذا الكتاب، بل يعني الطريقة التي انتظمت بها هذه المعرفة، وحددت خطابها ضمن موضوع وأطروحة استبداد الصورة في الرواية العربية.

1. تشكلات النسق

kiraat_13.5يفرض علينا عمق الكتاب، في مستوييه النظري والإجرائي، قراءة متأنيةً توازي طموحه النقدي، وتُراكم معه المعرفةَ بمختلف تمظهراتها الأدبية والفلسفية والمنهجية. واختياري البناءَ الإبستمولوجي موضوعاً لهذه المداخلة هو من قبيل المحاورة التي تبتعد عن نقد النقد، بقدر ما تبحث في القوانين التي قام عليها هذا العمل، علماً بأن منطق الدراسة في الكتاب قد لا يتخذ في كليته الوعي نفسه من حيث المنطلقات ذاتها.

إن أول ما يلفت انتباهنا في مقدمة الكتاب، رفضُ أي تناول نقدي ذي منظور مطلق، وهو موقف مؤسسٌ على الفرضية التي تبحث في التقدير النوعي لبلاغة الشاعرية في الرواية العربية، بعيدا عن المزج بين قواعدَ أجناسية لا تستجيب لخصوصية التكوين النصي أثناء استثمار مفهوم الصورة الروائية، باعتباره تكوينا نوعيا من جهة، ونتيجةً للتساند الجمالي بين المكونات والسمات الأسلوبية من جهة ثانية. لا شك أن الكتاب لا يصرح باعتماد منهج محدد، رغم كونه ينفتح على درس الشعرية بتلويناتها اللسانية والأسلوبية والبلاغية والتداولية؛ ولكن المتأمل في البنية النظرية التي يشغلها ، يستطيع إدراكَ قوانينَ كبرى تحكمً نسقَ الكتاب. إنه النسق الفينومينولوجي الذي يقوم على ثلاثة مرتكزات أو مبادئ بانية هي: القصدية والخبرة والهوية. وإذا كان الحد النوعي هو مرتكز تأويل معيار الشاعرية، فإن أيَّ عنصر يتجاور مع الشاعرية، لا يمكن أن يكون إلاَّ ضمن مسوغ هذا الحد كالتخييل أو المجاز مثلا. يقول الناقد: “إذا كان ما يفرق الإبداع التخييلي عن غيره يكمن في القصد الجمالي المقترح من لدن المبدع، مادام يُعتبر افتراضا وتوقعا من جانب المتلقي، فإننا نلزم جانبَ المبالغة إذا نفينا أن التخييل محددٌ تجنيسي ومكون في بناء شاعرية نص المحكي. ذلك أن الهوية التجنيسية قد لا تحيلُ بالضرورة على الجنس الأدبي” (ص.29). يبدو أن العنصر الذي ينقص في هذا النص هو الخبرة، لكن الناقد يتوسل بقانون آخر هو التحول أو التقاطع؛ وبالنظر إلى نسق الفينومينولوجيا نستطيع أن نتعرف هذا القانون باسم الرد الفينومينولوجي؛ ويعني أن المبادئ الثلاثة السابقة لا تجتمع في ظاهرة أبداً، أكانت طبيعية أم ذهنية أم أدبية. فكيف تعامل الناقد مع هذه القوانين؟

نلاحظ، في تقسيمه لمقومات الشاعرية البلاغية والجمالية، اعتمادَه على ثلاثة هي: المجاز والاشتباه والإضمار. وإذا طبقنا الرد الفينومينولوجي1، قلنا إن عنصر المجاز متعلق بالقصدية مع عنصر الاشتباه، أما الإضمار فمتعلق بالخبرة، فيما يبقى مبدأ الهوية بدون تعلق. ولذلك اعتمد الناقد على عتبتين: عليا، وهي تحوُّلُ الصورة إلى إنجاز شاعري، وبذلك يصبح المحكي سمةً دالةً على النوع أي على الهوية؛ وعتبة سفلى أساسها ما أطلق عليه مصطلح “التساند” حينما تغيب معاني وسمات تكوين شاعرية المحكي، إذ لا عنصرَ من عناصر النص يقدر أن يعيِّنَ تلك الشاعرية. فالشاعرية بهذا التصور ليست معطى جاهزاً، بقدر ما هي سمة قرائية تأويلية تجمع خبرةَ المؤلف وخبرة القارئ؛ يقول الناقد “إن الفرق بين الشاعرية وغيرها هو تكوينها غير المدرك بشكل تام” (ص.42). فاللاتحديدُ سمةٌ موجودةٌ في النص أي في هويته، وهي مشتركةٌ دائماً مع القارئ بحكم تراكم النوع في معرفته؛ فأين المشكل في الشاعرية هنا؟

يقدم الناقد إشارة دالةً، استقاها من ” إيزر”، تبينُ أن فجوات النص حين تكون قصدية تحطمُ القيمة الجمالية والشاعرية. وهنا تلتقي القصدية والخبرة في مستواها الثاني من خلال النتيجة التي توصل إليها الباحث بعد تحليله لصورة “أبي قيس” في رواية رجال في الشمس لغسان كنفاني، حيث رأى أن “الأصل  في شاعرية الصورة الروائية هو الإضمار، وهو شرط في الاشتباه وفي المجاز أيضاً”( ص.43). نفهم، إذن، أن الإضمار لا يلغي العنصرين الآخرين، مثلما لا تلغي القصدية كلاًّ من الخبرة والهوية، ومن ثم يغدو الإضمارُ في تعلُّقين: مع القصدية ومع الخبرة. إن غياب الهوية في هذا التعلق لا يشترط إعادةَ ترتيب القوانين الثلاثة، بل يخضع في الكتاب إلى ثنائية احترازية تقي الدراسةَ من خلل التجنيس بسمة واحدة، أكانت الصورة أم المحكي أم السرد… ولو دققنا النظر في تحليل الروايات المعتمدة للاحظنا ما يلي:

في الباب الثاني فصلان: شاعرية إيقاع المفارقة، والشاعرية النزوية. ففي الأول اشتغل على الاشتباه السردي لدى نجيب محفوظ، أي أنه رفع الاشتباه إلى مستوى قانون الخبرة الجمالية عن طريق المفارقة، لكنه أدخلها بطريقة ذكية في الهوية إذ يقول: “والمفارقة مجاز نوعي يخلق في فعاليات القراءة مسافة للقياس بين الظاهر والمضمر”( ص.71). ومن بعدها التكويني ـ أي المفارقة ـ يعمد الناقد إلى تشكيلها بين صور التنافر والانهيار والإخفاق؛ ومرة أخرى يظهر البناء الثلاثي بدون أي تمحل.

وفي تحليله المفارقةَ بين محكي المسرحية ومحكي الرواية  يوضح كيف ينهي “عباس كرم”، في رواية أفراح القبة لنجيب محفوظ، مسرحيتَه بمحاكمة أبويه واختيار الانتحار، وكيف خالفت الروايةُ هذا المصير في وضعية اشتباهية تتسم إلغاء الحدود ين الواقع والمتخيل. وأريد أن أقترح على الناقد، بهذا الصدد، إمكانية الربط ين المفارقة والتغريب، لأن التغريب في أصله إيقاع اشتباه في التصور البريشتي، لما يتميز به من تداخل الفضاءات وتناقضاتها في اتجاه الكشف عن الجوهر الرؤياوي الذي يظل دائما في حال صراع بين النفي والإثبات.

وفي الفصل الثاني يرفع الشاعرية النزوية إلى القصدية وإلى الهوية عن طريق الجدل النوعي. ومع ذلك يختار عنصرين من الخبرة الجمالية هما: التجريد الفضائي والتخييل السردي، لكي يبقيَ على الرد الفينومينولوجي قوياً بين القوانين الكبرى. ولو تأملنا صورة الجموح النزوي، كما حللها الناقد، فإننا سنجدها ذات حضور مباشر رمزي من جهة، أي الحضور الذي يتعلق بالقصدية في اللغة ذات النزوع الشعري، والحضور الذي يتعلق بالخبرة الجمالية رمزيا؛ غير أن هذه الثنائية لا تقف عند التمثل الجزئي لصورة الجموح، بل تحضر من جهة أخرى ـ كما يؤكد الباحث ـ في اليقظة والاستيهام والحلم، أي في ثلاثية نظن معها أن الصورة ثابتة إذا ما تعلقت هذه الثلاثية بالقصد والخبرة والهوية تماثلاًً كلياً. والحقيقة أنها ثنائية يمكن كشفها في اليقظة والحلم، أما الاستيهام فعنصرٌ يضافُ إليهما ويسندُ حركة المحكي النزوي وغيره. ومما يؤكد ذلك تحليلُ صورة شخصية ” شبلي”  من خلال علاقتين: علاقة جسدية وعلاقة رمزية استيهامية. وحتى في عنصر التشذير الزمني نعثر على صيغتين فقط هما: صيغة التماثل وصيغة التقاطع؛ ولكن حينما نعثر مثلا على صورة تخترق الرواية كلها وتعْبُرها، كما هي حال صورة شخصية “مُنى” في رواية الزمن الموحش لحيدر حيدر، ألا يمكن أن يشكل مثل هذا الإيقاع معيار تساند يجمع بين التماثل والتقاطع؟ أشير، هنا، إلى أن استخدام “التساند” معياراً جماليا للروايات التي شكلت النمذجة الصوفية في أنساق التكوين الأسلوبي فقط، قد لا يكون إجرائيا؛ فالتساند كدال إيقاعي، يمكن أن نستعمله في تحليل شاعرية الصورة الروائية، وعناصره هي التساند الكلي والجزئي، والتساند بالإضافة والحذف، والتساند بالعلة والوصف، والتساند بالإدماج، رفعاً لأي التباس نوعي.

 والقول بوجود صور صوفية، يضطرنا لتوسيع إشكال التوصيف في روايات غير صوفية، لأن أغلب الدراسات التي حاولت الاقتراب من الرواية ذات السمت الصوفي أسقطت القضايا الصوفية على الصورة وجعلتها موضوعا فقط. وقد انتبه الناقد إلى هذا العنصر المنهجي والمعرفي بقوله: “إن استيحاء الشاعرية الصوفية في المحكي الروائي لا يعني استيحاء الشطح الذي يمتلك نفسا مرتعدة وهيابة في مقام الحضرة، كما لا ينبغي الانغماس في لذة صحبة الأولياء والعارفين أو في حديث الكرامات، وإنما هو استيحاء موقف ورؤيا يتوخيان خلاص إنسان معاصر يطوقه الشقاء والاغتراب من كل جانب”( ص. 53). من هنا امتنع القول بالصورة الصوفية سمةً روائية أو تجنيسية، وإلا سيكون لروايات نجيب محفوظ أو حيدر حيدر أو أي رواية أخرى سمة إضافية إذا ألحقناها بالرواية الواقعية أو التاريخية أو الفانطازية على سبيل المثال.

إذا عدنا إلى المتن المدروس، سنلاحظ أن شاعرية الصورة تكف عن أن تندرج ضمن نسق دوال التشبيه والمجاز والاستعارة؛ فصورة “المشهد الراقص” في رواية حدث أبو هريرة قال، تستدعي من شخصية أبي هريرة انتقالا من التصور الذهني المباشر إلى الاستيهام كي يحصل التأويل في مستوى أعلى. وهنا تبدو الصورة مشحونة بالطاقة البصرية والحسية حيث لا يفضي تشبيه الفتاة الراقصة ـ “فرأيتها لسانا من الرمل، فهي رقيق الرمل يجري بين الأصابع”( ص. 138)ـ إلى تمثل العلاقة التي تربط المشاهد أو المتلقي، وهو أبو هريرة، بعالم إدراكه الخاص ونقله لساناً وتلفظاً قائما على التشبيه المركب. فلو جمعنا الأمرين معاً لصار القصد ملتبساً بالخبرة إلى الحد الذي يعسر علينا وضع الحدود بينهما، أو على الأقل الفصل بينهما لمعرفة الصلات التي تجمعهما في وضعية هذه الصورة الراقصة.

إن النقد الذي وجهه الكاتب لنموذج الانشطار النوعي في هذه الرواية بين الصور المجردة التي تتوسل بالنظر العقلي وبالسياقات الجمالية، يبين كيف وعى الناقد مسألة الإيغال في الخبرة الجمالية التي يصبح معها العمل في شموليته بدون هوية، حيث خلص إلى “أن جذوة القصد الجمالي والثقافي المعلن في مقدمة النص قد خبت. وعلى الرغم من التهويل النقدي الذي رافق هذا الضرب من الكتابة السردية، فإنه يظل محاطاً بمآزق عدة ما لم تسنده غايات جمالية وتداولية محددة وقادرة على استنهاض القدرة الإبداعية انطلاقا من التراث” ( ص. 172).

لاشك أن القصد الجمالي الذي تعامل معه الناقد، موسوم بالنصية القادرة على تفعيل أي بعد تداولي أثناء بناء الرواية؛ وهو ما لم يستنبته النقد الروائي في ضوء رهانه على تعدد الخطابات والأنساق.

2. وضعية الجهاز المفهومي

أول ما يسترعي انتباهنا هو مصطلح “استبداد الصورة” ، وهو بهذا التركيب يضعنا أمام سؤال تقني: هل الاستبداد سمة ملحقة بعنصر الصورة كمصطلح محدد ومعروف؟ أم أنه جزء من ماهية المصطلح، وقيمة مفهومية ذات حضور إجرائي نصي؟ يذهب بنا الشق الأول من السؤال إلى اعتبار الشساعة القولية في الرواية دالاًّ على مستوى هذا الاستبداد الذي يلتقي بمفهوم المهيمنة ذي الأصول الشكلانية، ولذلك وجب الانتباه إلى إجراء المستويات كمحدد لصورنة أي نص روائي تحضر فيه صورة معينة، قد تكون بؤرة أو مركزا أو فعلا. أما الشق الثاني فيقودنا إلى اعتبار الحد النوعي الذي يضفي على الصورة دلالة الاستبداد مع باقي السمات الأخرى ذات الصلة بالعمل الروائي أيّاً كان.

يمكن أن يقترب هذا التركيب من مصطلح “co- unification” ، رغم أنه مصطلح يخص الأشكال “formes” فقط ، حيثما يحتل شكلٌ لفظي أو سيميائي فضاءً نصيا أو بصريا دون أن يحس القارئ بوجود هيمنة صارخة لهذا الشكل، وذلك عن طريق استدعائه لعناصر وأشكال مجاورة تحيط به، من غير أن تكون لها أهمية أو وظائف حاسمة. وهو نوع من التعمية، قد يزج بالقارئ في تأويلات خاطئة ، أو لا علاقة لها بموضوع الدرس. ويمكن أن نستعير اقترابا ثانيا للمصطلح من هيدغر وهو مصطلح “co-appropriation” ، ويعني الامتلاك المشترك لشيء، أو قضية ، أو معطى بين عناصر مختلفة يحركها عنصر واحد دون الإعلان أو الإفصاح عن نفسه في عمله. ويبدو لي أن الاستبداد يفترض جهة الاستبداد كفعل حركي، أما الصورة المستبدة فهي معطى جاهز محدود يوكل لغيره. ومع ذلك لا نلاحظ استعمال الناقد لهذا المصطلح أثناء تحليله لبعض الأعمال، وحتى في خاتمة الكتاب لم يوضح لنا مستوى الاستبداد أو جهته، من حيث استثماره قيمةً أو سمةً تحدد شاعرية الرواية.

ومن بين أهم المصطلحات التي يشغلها الناقد، مصطلح “الانشطار النوعي” ؛ ويتحدد إجرائيا من خلال صيغتين: التصدي لطبيعة استدعاء سجلات السرد التراثي وأشكاله، ثم الاقتراب من تصوير التكوين النصي لمضامين تتصل بمفهوم الإنسان في علاقته بقضايا وجودية وفكرية. إن الأساس المعرفي لهذا التشكل المفهومي يرجع إلى أن رواية “محمود المسعدي” تنطلق من تصور تجريدي ملتبس في توظيفها لعناصر المكون التراثي، وفي اعتبارها إياه مجالا رمزيا وثقافيا شموليا، بإمكانه استيعاب الأبعاد الجمالية والفكرية كغاية.

نستخلص من هذا أن المصطلح قائم على بعدين: بعد نصي يتمثل في اختبار الخبر والحديث كأشكال سردية عربية، تجد مسوغها في النسيج اللغوي وفي التصوير، وبعد فكري ثقافي يتمثل في إعادة تأمل وضعية الذات والجماعة بين زمنين: قديم وحديث. فالأول يحيل على الخبرة الجمالية، والثاني على القصدية. ومن هنا أمكننا القول إن الناقد أراد أن يكشف عن خصوصية هذه الرواية من خلال بنائها ،أي عن هويتها باعتماد مفهوم الانشطار النوعي كأحد عناصر التشكل التجنيسي. غير أن تشغيل هذا المفهوم لا يخلو من احتراز إبستيمولوجي، خاصة وأنه ذو صلة بحقل العلوم الفيزيائية والبيولوجية التي ترى الانشطار في نواة الذرة أو في الخلية.

ونجد مصطلحا آخر هو “التساند”، وقد شغله الناقد أكثر من مرة بتلوينات متفاوتة حسب أبنية الروايات، وحسب نسق المفاهيم المجاورة. يمكن أن نرى ذلك في تحليله لرواية سيرة الشيخ نور الدين حيث أمعن الناقد في الربط بين عدد من الصور على قاعدة جمالية هي التساند؛ ومن أبرزها صورة الساحة أو الفضاء الذي يعيش مع الشخصية في التاريخ والوجود والذهن. ويصبح هذا الفضاء/الساحة سنداًُ دراميا للشخصية، فيما تنبع من تاريخ الشخصية نفسها أفعال تساندية جديدة تتحكم فيها بعض الوظائف، كالانشطار الجمالي الذي يقوم على الإيحاء بالعلاقة الإنسلانية بين الشيخ والساحة، بعد أن شكلت وظيفتها المشهدية في صورة الألم. وتتكامل هذه الصورة بتساند جديد، يأتي هذه المرة من صورة الحلم والرؤيا التي تتكون من عناصر أسلوبية قادرة على قلب جميع التشكلات التي ابتدعها الروائي، وعلى إعادة خلق سرد جديد لصورة جديدة؛ والسبب في ذلك أن الصورة مبنية على موقف نفسي لاواعي، تمثل في تساندها مع مختلف ممكنات التصوير النصي والسردي صور الصوفية المنكسرة بما هي تشكل أسلوبي نوعي .

 إن الجهاز المفهومي الموظف في الكتاب ،لا يخضع لتحديدات مسبقة أو تنظير مبتسر لآليات اشتغال الخطاب، وإنما يختار نسقه من خلال توسيع منطوق النصوص في اللغة والسرد والصيغ والرؤية. ولذلك كان تنقيب الناقد على دلالات المصطلحات موسوماً بالنصية المطلقة، من حيث هي سمة بنائية تجعل العمل الأدبي يُنَظِّرُ لأوضاعه وخصائصه، دون تدخل الوسائط الاستقرائية النموذجية، وإلا لما كان البحث عن هوية الروايات التي حللها ذا معنى في سياق التساند ببعده الشمولي.

لا أدعي أنني أحطت بخطاب استبداد الصورة  في كليته، بل حاولت أن أقترب من بعض القضايا ذات البعد التداولي، لأبحث عن مستويات البناء ومدى قدرة  الناقد على تحليل عناصر الروايات المدروسة وفق آلية نسقية. ويبدو أن عدداً من المفاهيم المستعملة في الكتاب بقيت في هذه الورقة معلقة؛ وسأعمل على إبرازها في ورقة قادمة حتى تبقى الصلة بهذا الكتاب متجددة .

إن عمل عبد الرحيم الإدريسي صورةٌ لمستقبل النقد بالمغرب، خاصةً وأن هاجس المراقبة المعرفية والتداولية هو ما ينطق به الكتاب من بدايته إلى نهايته، خلافاً لما عودتنا عليه القراءات المدرسية التي تخلو من أي اجتهاد أكاديمي.

الهوامش:

1- مصطلح من أصل يوناني يعني “الانقطاع والتعليق” ووضع العالم بين قوسين. وقد كان يدل عند اليونان تعليق وإلغاء الحكم “. إن Epoché هوتعليق الحكم”، ويتخذ عند هوسرل معنى خاصا، حينما وضع المشكلة الديكارتية المتعلقةبوجود العالم الخارجي بين قوسين؛ ذلك أن ديكارت عندما وظف شكه المنهجي للوصول إلى اليقين مارس في نظر هوسرل اقتطاعا وتوقفا غير مقبول من الناحية المنهجية، لأنه كان سفسطائيا في تفكيره، وخصوصا عندما شك في وجود العالم الخارجي ولم يشك في ذاته. وبهذا الصدد يقول هوسرل: “إنني لا أستطيع أن أتقدم بأحكام مطلقة تتعلق بالوجود الخارجي”، علما أن هوسرل يميز بين نوعين من التوقف والانقطاع  هما: التوقف التاريخي الذي يغض الطرف عن سائر المذاهب الفلسفية لأن الفينومينولوجيا لا تهتم بآراء الآخرين بل تتجه إلى الأشياء ذاتها، والتوقف الماهوي الذي يضع الوجود الفردي للموضوع  بين قوسين، لأن الفينومينولوجيا لاتهدف إلا إلى الماهية. وقد أضاف هوسرل في كتاباته الأخيرة نوعا آخر من التوقف الترنسندنتالي الذي يقوم على وضع كل مالا يمت للوعي الخالص بصلة بين قوسين.  ويأتي استعمالي لهذا المصطلح ،في هذا المقام، بمعنى التوقف المؤقت أو المؤجل لعنصر من عناصر المبادئ والقوانين الكبرى، ولا يعني التوقف إلغاء أو تعطيل الحكم أو القانون بقدر ما يعني تواريه أو اختفاءه بوعي أو بدون وعي أثناء اشتغال الموضوع “الفينومينولوجي”: وهو في هذا الكتاب النقدي الصورة وشاعريتها.

- عزالدين الشنتوف

57

تعليق واحد

  1. اعجبني مقالك هذا ونرجو منكم المزيد في مثل هذه المواضيع وخاصة فيما يتعلق بالمصطلح اللساني عند المعاصرين

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*