الأحد , 19 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » بإيـــجاز » جيش التحرير المغربي في بداية الاستقلال

جيش التحرير المغربي في بداية الاستقلال

وثائق جيش التحرير في جنوب المغرب، 1956 ـــ 1959، إعداد وتقديم محمد بن سعيد أيت إيدر، الدار البيضاء، 2011.

bi-ijaz_12.2 بعد كتاب صفحات من ملحمة جيش التحرير، الذي صدر منذ عشر سنوات (2011)، أصدر محمد بن سعيد أيت إيدر -وهو أحد قادة المقاومة وجيش التحرير- كتابا جديدا بعنوان وثائق جيش التحرير في جنوب المغرب 1956 – 1956. صدر هذا الكتاب عن مركز محمد بن سعيد أيت إيدر. الدار البيضاء. دسمبر 2011.. ويوجد في طور الإعداد مجلد ثالث يضم كمية أخرى مهمة من الوثائق.

عن أصالة هذه الوثائق يقول

بن سعيد: “وهي وثائق أصلية؛ بعضها بخط اليد أو مرقونة على آلة كاتبة، وبعضها عبارة عن نسخ أخذت عن الأصول في وقتها. وحسب علمي فكلها وثائق لم يسبق نشرها. وقد رتبتُ هذه الوثائق في أربعة أقسام تبعا لنوعها ومضمونها”. (ص 9).

 يتكون هذا الكتاب القيم، بعد التقديم، من تمهيد تاريخي وأربعة أقسام:

يتحدث التمهيد (ص13 – 28) عن “الظروف التي دفعت مناضلين من المقاومة وجيش التحرير إلى مواصلة الكفاح المسلح، في وقت تم فه توقيع تصريح “لاسل سان كلو” بين الملك محمد الخامس ووزير خارجية فرنسا، والذي تضمن استعداد فرنسا للاعتراف باستقلال المغرب”.

وتعود هذه الأسباب، في الأساس، إلى عدم أخذ أطرافٍ من التراب المغربي بعين الاعتبار في اتفاقية مادريد 2 مارس و7 أبريل من سنة 1956 المتعلقة بتسليم السلط. بل شُرع في تصفية جيش التحرير في الوقت الذي ما تزال فيه القواعد العسكرية الفرنسية تهدد استقلال المغرب. “وقد وقع الاتفاق على متابعة الكفاح المسلح لتحرير تلك الأجزاء التي بقيت خاضعة للاحتلال الأجنبي في لقاء جمع قادة المقاومة وجيش التحرير بمدريد. وقد استجاب لهذا القرار المقاومون الذين لم يساندوا إدماج فرق جيش التحرير في الشمال في القوات المسلحة الملكية، ولقيت هذه الرغبة موافقة الملك محمد الخامس حينما عُرضت عليه من طرف أعضاء المقاومة وجيش التحرير”. (ص 13-14).

1- خصص القسم الأول لــِ”مذكرة عن أعمال جيش التحرير والأحوال التي اعترضته بالصحراء وأيت باعمران”. (ص29- 82). وهي عبارة عن رسالة رفعتها القيادة العامة لجيش التحرير إلى الملك محمد الخامس تشرح فيها وتحلل المؤامرة التي يتعرض لها هذا جيش من أجل تصفيته. فبعد أن تلقى الضربات من تحالف فرنسا مع إسبانيا بدأت عملية التصفية من الداخل. جاء في مقدمتها:

“نظرا للظروف التي يجتازها جيش التحرير في الوقت الحاضرـ ونظرا للمؤامرات التي تحاك في الخفاء للمكافحين من أبناء هذا الشعب من الذين حملوا السلاح من أجل غاية واحدة وهي تحرير المناطق التي لا زالت خاضعة للمستعمر، ونظرا للاستفزازات والدعايات والأراجيف التي يتعرض لها هذا الجيش والمسؤولون عنه، ونظرا لهذا كله نرى من المناسب، بل من الواجب علينا بصفتنا نحن الذين تحملوا هذه المسؤولية أمام الله وأمام الوطن وأمام صاحب الجلالة، وحيث أنه كان لنا شرف تسيير هذا الجيش وعشنا جميع المراحل التي قطعها طيلة مدة وجوده، وحيث أن الجو الذي أصبح يعيش فيه هذا الجيش جو لا يطاق، ولهذا نرى من الواجب علينا في هذه الظروف أن نكشف القناع عن أسرار ظلت، لحد الآن، مجهولة وخافية عن صاحب الجلالة، وغايتنا من هذا كله هو إظهار الحقائق وتحديد المسؤوليات حتى يحكم التاريخ  في يوم من الأيام لنا أو علينا”. (ص 32).

إنها وثيقة ثمينة ومهمة تنشر لأول مرة: مهمة للمؤرخين بقدر ما هي مهمة لجميع المواطنين الذين يتساءلون كيف، ولماذا، بقي استقلال المغرب ناقصا. وقد حررت بنضج سياسي وضمير وطني حي.

2- وضم القسم الثاني (ص 83 – 150) تقديما وواحدا وأربعين وثيقة من “التقارير الداخلية لجيش التحرير”. وهي تظهر الجهد الذي بذله جيش التحرير في ترتيب الظروف الاجتماعية والإنسانية في الصحراء إلى جانب عمله العسكري الذي واجه فيه قوتين استعماريتين كبيرتين.

من بين وثائق هذا الملف وثيقتان متميزتان: الأولى (الوثيقة 17) تحليلية. تناولت الحالة النفسية لسكان الصحراء، وطبيعتها الجغرافية، والحالة السياسية. وهي أول تقرير من نوعه للقسم السياسي. والثانية (الوثيقة 18)، توجيهية تحميسية يتبين منها الإطار الفكري المهيمن. وهذه فقرة من التحليل النفسي للسكان:

“لكل إنسان حالة نفسانية، وهذه الحالة النفسانية، أو الضمير تختلف باختلاف الأشخاص والبيآت. وبها يقدر عمل الإنسان، وعليها يتوقف نشاطه في الحياة، وتقوى وتضعف ـ

لقد استقل جزء من المغرب بفضل كفاح أبنائه ذوي الضمير الحي، وبقيت أجزاء أخرى منه لا تزال تئن تحت كلكل الاستعمار الممقوت، الذي اقتطعها منذ عشرات السنين، فكون لها شخصية خاصة، وضميرا غير الضمير في الشمال المغربي. فمن أجل تحرير هذه الأجزاء وضمها من جديد إلى الوطن الأم، وتكوين وحدة مغربية كبرى كما كان في الماضي، يجب علينا أن ندرس الحالة الروحية لسكان هذه الأقاليم المغربية المنعزلة التي نريد تحريرها وإنقاذها من العبودية، لكي يمكن لنا أن نؤثر عليهم، ومن تأثيرنا عليهم يتبين لهم واجبهم نحو وطنهم فيشاركوننا ونتعاونُ جميعا لتنجح حركتنا التحريرية” (ص 113).

3- وتضمن القسم الثالث (ص 153 – 210) واحدا وعشرين تقريرا من التقارير السرية، وهي تظهر مدى الكفاءة التنظيمية التي وصل إليها جيش التحرير، كما تظهر الروح الوطنية التي تحلى بها المغاربة على اختلاف المواقع التي كانوا فيها. وهذا نموذج من تلك التقارير:

” تقرير حول ملازم أول من اللفيف، والمسماة مدام مورو:

هناك ملازم أول يأتي من الجنوب المغربي من فور- ترينكي على متن طائرة لولبية، وينزل عند مدام مورو التي تسكن في الحي الصناعي بشارع فاس، ولها منزل من 13 هكتار في  الكيلومتر 44، وهاتان الشخصيتان لهما علاقات واسعة وعميقة مع المسماة هيلين التي كانت تعمل في كازينو بارمي، أو بار السوق.”. (ص 176-177).

4- وتضمن القسم الرابع (ص211 – 246) سبع عشرةَ وثيقة، تعلق أكثرها بمؤتمرين مهمين نظمتهما قيادة جيش التحرير لممثلي قبائل الصحراء وآيت باعمران: الأول في الصحراء، والثاني في الرباط، ومن بين هذه الوثائق خطاب ألقاه والي العهد الحسن باسم والده المغفور له محمد الخامس. ندرج هنا الوثيقة رقم 2 لقصرها، ولقيمتها التاريخية:

“نداء عام

بعد الاستماع إلى رؤساء قبائل الصحراء والتشاور معهم في السياسة التي يتعين سلوكها بالصحراء في الوقت الراهن، قررت القيادة العليا لجيش التحرير توجيه هذا النداء:

إن القيادة العليا قد كُلفت من طرف ممثلي القبائل بأن تعلن للجميع أن سائر السكان متفقون ومتكتلون وراء جيش التحرير لاستخلاص الأراضي الوطنية المستعمرة. وقد تم اتفاق بين القبائل المذكورة على تناسي جميع الأحقاد والأضغان الماضية، وتدشين عهد جديد من الإخاء والتضامن الايجابي. ولذلك فإن القيادة العليا لجيش التحرير المتحدثة باسم السكان، تدعوا جميع المواطنين الصحراويين سواء منهم المنخرطين في سلك الجيش أو المدنيين إلى العمل بموجب هذا الاتفاق، وتطلب منهم المساهمة الفعالة في تحقيقه. وتوصيهم بأن لا يتشاتموا ولا يتحاسدوا ولا يعتدي واحد منهم على الآخر، وأن يتعاونوا فيما بينهم تعاونا صادقا وخالصا لفض ما يعرض لهم من مشكلات. وكل من ظهرت منه مخالفة أمر الجماعة فإن القيادة، ستضطر لاتخاذ تدابير صارمة ضده. والسلام”.

القيادة العليا     [دون تاريخ] (ص 214 – 215).

تمثل هذه الوثائق في صياغتها وعمقها مستويات متفاوتة ثقافيا: من رسائل مكتوبة باللهجة الدارجة تصف الأحوال والوقائع الميدانية إلى التحليلات السياسية والاجتماعية والنفسية التي سيستغرب القراء توفرها في تلك الظروف. وبين هذين القطبين توجد مستويات متدرجة في الفصاحة والفكر والخبرة. الكتاب ثمين جدا. وقد بذل معده ومقدمه، كما بذل مراجعوه والساهرون على إخراجه جهدا كبيرا في الملاءمة بين الاحتفاظ للكتاب بواقعيته، من جهة، وتيسير قراءته عن طريق الشكل والشرح واقتراح التخريجات الراجحة لما التبس منه.

التعريف بالمؤلِّف

السيد محمد بن سعيد أيت إيدر واحد من الصف الأول من قادة المقاومة وجيش التحرير الميدانيين البارزين في مرحلة مقاومة الاستعمار الفرنسي والإسباني، في العقد الخامس من القرن الماضي. وهو أيضا معارض سياسي صلب في مرحلة الاستقلال، على مدى أكثر من نصف قرن. حُكم بالإعدام في بداية حكم الحسن الثاني، فقضي عقودا في المهجر. أسس جماعة 23 مارس الماركسية مع طليعة الشباب اليساري في السبعينيات، ثم عاد إلى المغرب سنة 8مارس 1981 ليؤسس، مع مجموعة من مناضلي اليسار الماركسي، حزبَ منظمة العمل الديموقراطي الشعبي التي اندمجت حاليا في الحزب الاشتراكي الموحد. وهو الحزب الذي احتضن حركة 20 فبراير فاتحا لها مقراته، واضعا رهن إشارتها إمكانياته.

ولد السيد محمد بنسعيد سنة 1925 بقرية تين منصور، بمنطقة أيت باها شتوكة جنوب المغرب. تلقى تعليمه الأولي بنفس المنطقة، وهي مشهورة بمدارسها العتيقة التي اعتنت باللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم وتدارسه. ثم انتقل، في مرحلة لاحقة، إلى جامعة ابن يوسف بمراكش. وهناك ارتبط بحركة مقاومة الاستعمار.

وقد مكنه موقعُه التنظيمي من الحصول على أرشيف ثمين وغني وحساس من تاريخ المغرب، فحافظ عليه بأمانة ونزاهة، وهو يضعه اليوم أمانة بين أيدي الباحثين والمؤرخين وعموم القراء.

 

- محمد العمري

99

تعليق واحد

  1. تحية للمناظل الصلب الوطني الصادق
    مثال يحتذى للانتهازيين الاهثين وراء المغانم
    المثقف العضوي بحق

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*