الإثنين , 20 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » من فلسفة اللغة إلى فلسفة الذهن

من فلسفة اللغة إلى فلسفة الذهن

John R.Searle, Mind: A brief introduction, Oxford University Press, New York, 2004

1. الخلفية النظرية

ABriefIntroductionبموازاة انتشار أطروحات النحو التوليدي التحويلي في العالم الغربي شهدت اللسانيات التي تتبنى منطلقات الفلسفة التحليلية تطوراً دالاً بوأها مكانة بارزة في مجال النقاشات التي احتدمت آنئذ حول دور المحيط والسياق في فهم طبيعة اللغة البشرية والسلوك اللغوي. وقد وضح جون سورل في مناسبات عديدة أنه ينتمي إلى الثورة التي قدح شرارتها جُطْلُب فريجه (Gottlob Frege) الذي يرجع إليه الفضل في جعل فلسفة اللغة أولوية فلسفية، وفي فتح مسارات جديدة للبحث في المنطق والتداوليات طَرقها راسل (Russell) وفتكنشتاين(Wittgenstein) وأوستين (Austin) .

يعطينا هذا الكتاب فكرة عن التحول الذي طرأ في هذا المجال، وهو تحول يتميز بتراجع صدارة فلسفة اللغة لفائدة فلسفة الذهن. ففي أواسط القرن الماضي ساد الاعتقاد في الأوساط الأكاديمية والفكرية أن فلسفة اللغة هي الفلسفة الأولى، ودرج ذوو الاختصاص على التمييز بين فلسفة اللغة التي تعنى بقضايا عامة وبين الفلسفة اللسانية التي تحاول حل مشاكل فلسفية خاصة باستعمال مناهج لسانية. أما الآن فقد أضحت فلسفة الذهن هي الفلسفة الأولى “بسبب وصول فلسفة اللغة إلى مرحلة من الركود النسبي ترتب عن بعض الأخطاء الشائعة حول ما يعرف بمبدأ الخارجية الذي يقول إن معاني الكلمات، ومنها محتويات الذهن لا وجود لها داخل الذهن، بل هي علاقات سببية بين ما هو موجود في الذهن والعالم الخارجي”. وساهم في انحسار فلسفة اللغة تَيَسُّر تطبيق المناهج التحليلية على القضايا التقليدية لفلسفة الذهن، وليس بالغريب أن يكون لتطور العلوم العصبية دور في هذا التحول بحكم أنها ساهمت في جعل الذهن البشري موضوعاً في متناول العلم، إذ أضحى بالإمكان النظر إليه بوصفه ظاهرة طبيعية، ولم يبق مجالاً للتورط في مطبات الثنائية الميتافيزيقة حيث يتعارض الذهن والجسد، الذهن والطبيعة (المادة).

البرنامج الجديد لجون سورل والذي يعطي كتاب العقل: مدخل موجز1 صورة دقيقة، للقارئ العربي، عن أبرز إشكالاته يقبل أن ينعث بأوصاف عديدة أولها أنه برنامج “قصدياني” (intentionnaliste)، تداولي، أحيائي، غير ممركز إناسياً anthropocentrique) ( non . ويعرف جون سورل برنامجه التعريف التالي: “نظرية الذهن التي أسعى إلى صياغتها وتطويرها تشكل في جزء مهم منها محاولة للإجابة عن هذا السؤال الآخر: كيف يمكن لواقع ذهني، لعالم الوعي، وللقصدية ولظواهر ذهنية أخرى أن تتوافق مع عالم مشكل من جزيئيات فيزيائية في مجال للطاقة”2. بمعنى آخر “كيف نفسر وجود الإنسان البارز كشخص واع ومسؤول وحر وعاقل وناطق واجتماعي وسياسي في عالم مكون، وفق قول العلم، من جسيمات مادية لا ذهنية ولا معنى لها؟ من نحن وكيف نتكيف مع بقية العالم؟ ما العلاقة بين الواقع الإنساني وبقية الواقع؟ ويمكن صياغة هذا السؤال بطريقة أخرى:ما معنى الإنسانية؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة يتعين أن نبدأ بدراسة الذهن، لأن الظواهر الذهنية تشكل الجسر الذي يربطنا ببقية العالم”.

2. مشكلات فلسفة الذهن

ما هي الأسباب التي تدعو إلى إضافة كتاب آخر يتناول المشكلات الفلسفية التي يطرحها موضوع الذهن، لاسيما وأن الكتب التي ألفت في الموضوع هي من الوفرة والجودة اللتين تغنيان عن الاستزادة ؟ هناك سببان كافيان بحسب جون سورل يبرران إضافة كتاب جديد في الموضوع ويتمثلان، في اعتقاده، في كون الأدبيات التي تتناول المشكلات الفلسفية والعلمية للذهن لم تتحرر من ربقة المقولات التاريخية التي اعتمدت في وصف الظواهر الذهنية؛ فجميع الطروحات في المجال ظلت أسيرة التقابل بين الذهني والمادي، وصممت، بالتالي برامج بحثها وفق هذه الثنائية ساعية إما للبرهنة على صحتها (العقلانية الديكارتية) وإما لدحضها (النزعات المادية بتلويناتها المختلفة). أما السبب الثاني فيرجع إلى استشعار الكاتب بأن “جل المداخل الموضوعة تتطرق إلى القضايا الكبرى فقط، إذ تركز بالأساس على مشكلة الذهن والجسد، آخذة بعين الاعتبار مشكلة السببية الذهنية، وبصورة أقل مشكلة القصدية”. فهذه المشاكل لا تشكل في نظر سورل المشاكل الوحيدة والمثيرة للاهتمام في فلسفة الذهن، بل يجب أن نولي الاهتمام بالأسئلة المرتبطة بالبنية التفصيلية للوعي وبفائدة و معنى الأبحاث النورولوجية الحديثة، فضلاً عن توضيح سلسلة من الأسئلة الأساسية التي ستمهد الإجابة عنها الطريق نحو فهم كيفية اشتغال الذهن.

1.2 الثنائية والواحدية

القائلون بثنائية الجوهر: جوهر مادي (الجسد) في مقابل جوهر روحي (أو النفس)، كُثر ، منهم فلاسفة قدماء ورجال دين وعلماء معاصرون، كل هؤلاء يرتبطون بطريقة أو بأخرى برينيه ديكارت (1590-1650) الذي يعتقد أن للجوهر ماهية. فماهية الذهن تتمثل في الوعي أو التفكير، في حين أن ماهية المادة أو الجسد هي الامتداد. تكتسب الثنائية الديكارتية أهميتها من كونها فصلت ابستملوجياً ميدان العلم عن ميدان الدين، وتبعاً لديكارت فإن ماهية الشيء تتجلى في مجمل التغييرات التي تطرأ عليه والتي تحدد خصائصه، فالمادة تقبل الانقسام اللامتناهي في حين أن الذهن (أو النفس) غير قابل للانقسام وغير قابل للتدمير خلافاً للأجساد التي بالإمكان تدميرها؛ هذا التصور الثنائي يعجز عن ربط الذهني بالجسدي بموجب علاقة معينة. وبمعنى آخر هل توجد بين الذهن والجسد علاقات سببية؟ الإطار الفلسفي الديكارتي بكل تشعباته المحورية يشكل المدخل التاريخي المناسب لإماطة اللثام عن طبيعة القضايا والإشكالات التي ستستأثر باهتمام الباحثين في موضوع الذهن والمعرفة والسلوك الإنساني والحيواني بوجه عام في الحقب اللاحقة.

في القرن العشرين والقرن الحالي حصل شبه إجماع (في مستوى المجتمع العلمي على الأقل) على رفض الثنائية الجوهرية الديكارتية بحجة أنها عجزت عن تقديم تفسير متسق للعلاقة بين الذهن والجسد. “معظم أنصار الثنائية الجوهرية المعاصرون يعتنقون هذا الرأي إما لأسباب دينية… فإحدى نتائج الثنائية الجوهرية تقول إن النفس تستمر بالحياة عندما يندثر الجسد. هذا الرأي يروق للمؤمنين بالحياة الآخرة. الخلاصة أن القسم الأكبر من الخبراء الذين يشتغلون بالتفسير المنطقي للظواهر لا يرون في الثنائية الجوهرية أساساً صلباً لبناء الفهم، مع التنبيه إلى استثناء يتمثل في موقف كارل بوبر وجون إكلز (1977)3 اللذين يقران الثتائية؛ فقد زعما أنه يوجد عالمان كل منهما مستقل تماماً عن الآخر ومتفاعل معه في الآن نفسه، العالم الأول عالم الأشياء والأوضاع المادية والعالم الثاني عالم حالات الوعي. ويصيفان إلى رأي ديكارت عالماً ثالثاً هو عالم الثقافة بمظاهرها المختلفة.

البراديجم المهيمن في القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين هو البراديجم المادي بصيغه المختلفة، فجميع النزعات المادية تقول إن الواقع الوحيد الذي يوجد هو الواقع المادي أو الفيزيائي و الحالات الذهنية يجب أن تحلل بوصفها نوعاً من الحالات المادية. يتحدث جون سورل عن المادية بنبرة نقدية، وهي النبرة ذاتها التي لمسناها عند تشريحه لأطروحة الثنائية. لنستمع إليه يوجه سهام نقده للمادية: “إذا نظرنا إلى المادية بمعنى خاص، يمكن القول إنها أصبحت “ديناً ” في هذه الأيام على الأقل بين المتخصصين في ميادين الفلسفة وعلم النفس والعلوم المعرفية والميادين الأحرى التي تدرس الذهن. …فقد قدمت إطاراً فكرياً لطرح الأسئلة والإجابة عنها ومخاطبة المهتمين… وبالرغم من أن الماديين مقتنعون بنصف إيمان ديني بأن رأيهم يجب أن يكون صحيحاً فإنهم لم ينجحوا قط في صياغة مُرضية له ليحظى بقبول الفلاسفة الآخرين عامة وينال رضى حتى ماديين آخرين. أظن أن سبب هذا الفشل يكمن في أن المادية بصيغها المختلفة تجاهلت صفة ذهنية جوهرية معينة للكون والتي نعرف أنها موجودة بصورة مستقلة عن معتقداتنا الفلسفية وهي الوعي والقصدية “.

من خلال العرض النقدي للنزعات المادية بَدْءاً بالسلوكية المنهجية ومروراً بالسلوكية المنطقية والفيزيائية والوظيفية، يستشعر القارئ أن جون سورل يتعمد السير كقطار سريع نحو نفق مسدود؛ إنه يُسائل كل النظريات الثنائية والمادية ليؤزمها ليخلص إلى ما يلي: لا الثنائية ولا المادية مقبولتان، ومع ذلك فإنهما الاحتمالان الوحيدان الممكنان في مواجهة إشكالية الذهن. نعلم، يقول سورل، أن ما تحاول الثنائية قوله صحيح، وأن ما تحاول المادية قوله صحيح أيضاً. المادية تدعي أن العالم يتشكل من جزئيات في حقول الطاقة. وتزعم الثنائية أن ثمة خصائص لا يمكن اختزالها وحذفها من العالم، أي الوعي والقصدية بصورة خاصة. فلو سلمنا أن كلتي النظريتين صادقتان فيتعين اكتشاف طريقة لصياغتهما معاً بشكل متسق، لأنه يبدو أن المادية بصيغتها الحالية لا تترك مجالاً لاحتواء فكرة وجود ظواهر لامادية غير قابلة للاختزال، والظاهر أن الثنائية بصيغتها الحالية لا تسمح بربط الظاهرة المادية بما تعتبره ظواهر لامادية ذهنية غير قابلة للاختزال. يقترح سورل للخروج من هذا المأزق ولتفادي السقوط في نزعة توفيقية فجة التخلص لا من الإشكالات ولكن من اللغة الاصطلاحية التقليدية التي صيغت بها هذه الإشكالات. بمعنى آخر يجب، بحسب سورل، استحضار العمق التاريخي للمشكل وتناسي هذا التاريخ لكي لا يصبح عائقاً أمام التفكير المتحرر.

الموقف الطبيعي البيولوجي لسورل وتصالح الثقافة والطبيعة

يستدل سورل عبر فصول كتابه لفائدة موقف يرى في الظواهر الذهنية ظواهر تنتمي إلى العالم الطبيعي، وبناء عليه فإن تفسير الظواهر الذهنية تفسير بيولوجي و ليس فيزيائيا، ذلك أن الوعي والقصدية وظواهر مثل السببية الذهنية والفعل القصدي جميعُها عمليات بيولوجية تنتجها عمليات بيولوجية ملازمة لأنواع معينة من الكائنات العضوية؛ لا ينبغي أن يفهم بناء على هذا أن البنية الذهنية للفرد مستقلة عن الثقافة، بمعنى أن هذه الأخيرة لا دخل لها في تشكيل الذهن، ليس هناك تعارض بين الثقافة والبيولوجيا. كل ما هنالك هو أن الثقافة هي الشكل الذي تكتسبه البيولوجيا في الجماعات. قد تختلف ثقافة عن ثقافة أخرى، ولكن توجد حدود لهذه الاختلافات، ويتعين أن تكون كل ثقافة تعبيراً خاصاً عن البنية البيولوجية التحتية للجنس البشري. ولا يمكن أن يحدث نزاع دائم بين الطبيعة والثقافة، لأن النتيجة معروفة في حال وجود مثل هذا النزاع وهي أن الطبيعة ستنتصر وستخسر الثقافة دائماً.

يختم سول كتابه الشيق والعميق بقولة تلخص فلسفته وموقفه الإببستمولوجي:” لا نعيش بعدة عوالم، أو حتى عالمين مختلفين، العالم الذهني والعالم المادي، عالم العلم وعالم الحس المشترك، بالأحرى يوجد عالم واحد فقط، إنه العالم الذي نعيش فيه جميعاً. ونحن في حاجة إلى أن نفسر كيف نوجد كجزء منه.”4 كتاب جدير بالقراءة لإنه، في اعتقادي، يلج بنا إلى عوالم تمحي فيه الفوارق بين الثقافة بمفهومها الأدبي وبين العلم.

الهوامش

1- يترجم الدكتور ميشيل حنا متياس لفظ Mind بعقل، ونحن نفضل لفظ ذهن على أساس أن العقل هو ما نرتضيه مقابلا للفظ raison الذي يحيل على حالات ذهنية خاصة، من هنا تحدث الفلاسفة عن نقد العقل الأخلاقي أو العقل السياسي قاصدين حالة ذهنية من جملة أحول يشملها وصف ذهني.

2- John SEARLE, La construction de la réalité sociale, p.9.

3- The Self and Its Brain,

4- الشكر موصول إلى الدكتور ميشل حنا ميتياس الذي تجشم مشاق نقل هذا الكتاب إلى القارئ العربي بصبر وأناة، وقد استعنا في هذا التقديم بترجمته (مع تعديلات طفيفة ) في الاستشهاد ببعض أقوا سورل. فوجب التنبيه.

- محمد بلبول

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*